«بداية» و «بيوت صديقة» تعيد الحرية لنحو 150 موقوفة إدارياً

Printer Friendly, PDF & Email

 تحقق حلم موقوفات إداريا بالخروج من بين جدران السجن البارد، إلى جدران بيوت دافئة وأن يستعدن ترتيب مفردات حياتهن اليومية، عبر مشاريع مشتركة بين القطاع العام ومنظمات مدنية، تحاول إعادة دمجهن بالمجتمع وإعطاءهن الأمل بحياة جديدة.

(بداية) و(البيوت الصديقة).. مشروعان أعلنا عنهما ليكونا نافذة حرية جديدة لموقوفات إداريات، بعدما كادت أن تموت نبضات حياتهن، خلف أسوار سجن وضعن به بلا ذنب اقترفنه ودفعن الثمن، وبعضهن أنهين محكوميتهن، لكن لعدم وجود مكان يأوين إليه، أو بسبب الخوف على حياتهن من اعتداء ذويهن أو أقربائهن عليهن أرغمن على البقاء به.

قصص متشابه لما يزيد عن 120 موقوفة تمكن مشروع (البيوت الصديقة) الذي ينفذه جمعية المعهد الدولي لتضامن النساء، من حل لغز قضاياهن، ونحو 36 موقوفة حل مشروع (بداية) الذي ينفذ من قبل مجموعة القانون من أجل حقوق الإنسان (ميزان)، المعضلة التي منعتهن من التواصل مع عائلاتهن والمجتمع.

فمن خلال المشروعين تمكن موقوفات ادرايا من العيش في شقق تحت إشراف وحماية المنظمتين بعد تدريبهن وتأهيلهن وتسليحهن بمهنة لكسب رزقهن، وسيق ذلك التصالح مع الأهل الذين فضلوا بقاء ابنتهم بعيدة عنهم شريطة أن تتمتع بالأمان والاستقرار، وبعضهن عدن إلى أسرهن، وأخريات تزوجن إما من شريكهم بالخطأ أو بأشخاص قادرين على تجاوز أخطاء الماضي والتعايش مع الحاضر بحلوه ومره.

هؤلاء الموقوفات هن ضحايا الفقر وأسر مفككة والجهل بالقانون وبمفردات الحياة والأدوات المجتمعية، قبعن في السجن ليدفعن ضريبة موروثنا الثقافي والاجتماعي، على اعتقاد أن هذا المكان هو الحل الأنسب لحمايتهن.

الدولة بأجهزتها المختلفة اختارت هذا الحل رغم أنها غير راضية عنه، فما يمنع خروجهن من السجن هو تهديد حياتهن من قبل أهاليهن، فما تزال بالذاكرة ما حدث مع إحدى الضحايا، حيث قتلت بعد ساعة واحدة من الإفراج عنها رغم ربط أهلها «بكفالة مالية كبيرة»، وحرصا على حياة (نساء تحت الخطر) اتخذ القرار باستخدام قانون منع الجرائم.

أسباب عديدة أدت إلى دخولهن إلى مركز إصلاح وتأهيل جويدة النساء، لكن النتيجة واحدة وهي البقاء داخل أسواره كموقوفات إداريا، لأجل غير مسمى لحين الحصول على صكوك غفران، ليس فقط من عائلتها بل أيضا ممن تسبب بزجها خلف قضبان السجن.

ومنهن من هربت من منزلها لوجهة غير معلومة فقادتها قدماها لتكون خلف قضبان السجن وبعضهن ضحايا العنف الأسري والتفكك بسبب الخلافات الزوجية والطلاق.. وأخريات قبعن خلف أسوار السجن بسبب قضايا متعددة كالاغتصاب وسفاح الأقارب أو تورطن بعلاقات غير مشروعة مع شركائهن.

حلولا عديدة كانت تطرح بالماضي للخروج من «مأزق» الموقوفات إداريا، من مثل إيجاد مأوى لهن يضمهن يستطعن العيش به بعيدا عن سمع وبصر الذين يهددون حياتهن، شريطة أن يتم تدريبهن على مهن تمكنهن من كسب رزقهن وتأهيلهن نفسيا واجتماعيا لإعادتهن إلى المجتمع.

ومن الحلول أيضا راب الصدع بين الموقوفة وعائلتها وإقناع العائلة باحتضان ابنتهم وإعادتها إلى الحياة والمجتمع من جديد.

هذه الحلول كانت مدخل ميزان وجمعية المعهد لمساعدة الموقوفات كي يعدن إلى الحياة والمجتمع، وما كان له أن ينجح لولا تعاون الجهات الحكومية والأمنية ذات العلاقة بقضية الموقوفات باعتراف المديرة التنفيذية لميزان المحامية إيفا أبو حلاوة، ومديرة الأنشطة والبرامج في جمعية المعهد الباحثة الاجتماعية إنعام العشا.

وتروي أبو حلاوة قصة مشروع بداية الذي رأى النور في عام 2005عبر إنشاء تحالف وطني لدعم الموقوفات إداريا وقطفت ثماره خلال العامين الأخيرين، وكانت ركيزته الأساسية السرية التامة حتى عن العاملين في المؤسسة نفسها، تحسبا لتسرب القضايا إلى وسائل الإعلام أو لأقارب إحدى الموقوفات فيحدث ما لا يحمد عقباه.

وبينت أن اجتراح الحلول يتم عبر محاورة الموقوفة لإيجاد ما يناسبها ولا يعرضها للخطر، مشيرة إلى أن هناك موقوفة وهي أقدمهن، رأت أن خروجها من السجن سيعرض حياتها للقتل، ففضلت البقاء خلف أسواره لكن ليس كنزيلة وإنما كعاملة به، وأخرى بعد أن قضت فترة محكوميتها لم تعتد على الحياة بالخارج ولأنه لا يوجد لها عائلة ترعاها اختارت أن تبقى بالسجن لتحمي نفسها من الاستغلال وارتكاب الأخطاء.

الحلول ما كانت لتنجح وفق أبو حلاوة دون توفر الإرادة والإيمان بمساعدة هؤلاء الموقوفات، وتعاون الجهات الحكومية والأمنية، فتسهيل مهمة ميزان بدخول السجن ولقاء الموقوفات والتعاون بحل القضية كانا عاملان أساسيان لإعادة 30 فتاة إلى أسرتها وينطلقن من جديد، وخمس فتيات يسكن في شقق صممت خصيصا لحمايتهن ويمارسن حياتهن بصورة طبيعية.

انتقال الموقوفات الخمسة إلى الشقق سبقه مقدمات على ما قالت أبو حلاوة، فقد وضعن بالبداية لمدة تجاوزت 18 شهرا، لدى مؤسسة لإعادة تأهيلهن نفسيا واجتماعيا، وتدريبهن على مهارات الحياة والتكنولوجيا الحديثة وحتى على استخدام المواصلات والمعاملات البنكية وكيفية التعامل مع الآخرين، وتم توعيتهن قانونيا، وتسليحهن بمهنة يرتزقن منها.

وبعد أن تأكدت ميزان من أنهن قادرات على التواصل مع المجتمع ، نقلن إلى شقق في إحدى ضواحي عمان تحت حراسة شركة أمن وحماية وبمتابعة وإشراف متواصل من ميزان، علما بأنهن تصالحن مع أسرهن لكن تحت شرط عدم العودة إلى الأسرة وبقاءهن بعيدات بضمانة عدم تعرضهن للقتل.

وبينت أبو حلاوة أنه لا يمكن الإفراج عن هؤلاء النساء دون قرار الحكام الإداريين، الذين طبقا لأبي حلاوة كانوا متعاونين، بل أنهم يقدمون معلومات كاملة عن أسر الموقوفات تساعد بإيجاد الحل.

وقالت أن وزارة التنمية الاجتماعية تعاونت بدعم الموقوفات عبر صرف معونة شهرية لهن، بصورة سرية لا يعلم عنا إلا موظف محدد في الوزارة.

نورا موقوفة التقتها «الرأي» وصفت المصالحة التي تمت مع شقيقها بمثابة ولادة جديدة، فهي تعيش حياة مستقرة مع أهلها وزوجها وتكسب رزقها من عملها، وسردت قصتها التي تتلخص بأنها حملت بطريقة غير شرعية من شخص من جنسية عربية وعندما عرف شقيقها بالقصة حاول قتلها بإطلاق 8 رصاصات عليها لكن القدرة الإلهية حالت دون قتلها، فوضعت بالسجن حماية لها رغم أن شريكها استعد للزواج منها.

وهناك فتيات لا يزلن في عمر الطفولة تعرضن للاغتصاب ما أدى إلى حملهن إما من صديق للعائلة أمنته الأسرة على أولادها لإضرارهم للسفر خارج الأردن، أو من قريب وأحيانا من قبل عامل في محل بقالة، وضعن في السجن حماية لهن ولخوف الأسرة من أن توصم بالعار من قبل المجتمع.

وتحدثت الموقوفات الخمس عن تجاربهن عندما خرجن من السجن التي مضى على بعضهن 15 سنة خلف أسواره، فمنهن من تمنت أن تصلى في المسجد صلاة التراويح وتمكنت من ذلك، وواحدة كانت تحلم برؤية النجوم، وأخرى أن تشاهد المطر وتشم رائحة الأرض التي شربت ماء المطر، وأشرن إلى أنهن طلبن بعض الحلويات كالكنافة.

 وقالت ابو حلاوة ان المشروع بحاجة إلى دعم مالي ومعنوي من المؤسسات كافة الرسمية والخاصة موضحة انه «لا يمكن أن تبقى المشكلة دون حل ما يفاقم الأزمة، داعية إلى تثقيف وتوعية النساء وتأهيلهن في المناطق المهمشة والفقيرة والبعيدة، فالجهل والفقر من أهم الأسباب التي تؤدي بالنساء إلى حريق نهايته الحتمية السجن أو الضياع».

وطالبت المجتمع بأطيافه ومؤسساته الرسمية والأهلية السعي نحو الإصلاح الاجتماعي بالتوازي مع الإصلاح السياسي، ووضع رؤية لحماية الأسرة وصون المنظومة الأخلاقية، للحد من المشاكل الاجتماعية التي تتأثر فيها الفئات الضعيفة والمهمشة كالنساء والأطفال.

العشا ضمت صوتها إلى صوت أبو حلاوة بضرورة الدعم المعنوي والمادي من أجل الاستدامة، وبينت أنه من خلال مشروع البيوت الصديقة فتحوا ملفات 120 موقوفة إداريا قانونيا ومع عائلاتهن، بحثا عن حلول لحالتهن.

وبينت أن تعاون الحكام الإداريين ساعد بإيجاد الحلول لنساء وقعن ضحية الاعتداء عليهن، وقالت أن المسؤولين الأمنيين تعاونوا معنا وإدارة مراكز الإصلاح والسجون، عبر فتح أبوب السجن لمقابلتهن، فهناك وفق العشا سلسلة حلقات تعمل مع بعضها البعض ممزوجة بالإرادة والعزم فتحقق الإنجاز.

وأشارت العشا إلى تجاوب الأهل بإعادة بناتهن إلى الأسرة، وبعض الحالات تم الإفراج عنها بإذن زواج، وأخريات يسكن شقق بعد أن تم تأهيلهن ومنحهن فرصة الحياة من جديد.

من ناحيتها أوضحت المحامية رنا أبو السندس التي تعمل في جمعية المعهد أنهم يقدموا الاستشارات القانونية وتدريب وتوعية قانونية للنساء الموقوفات، إلى جانب التواصل مع عائلاتهن، حيث تم كسر الحواجز النفسية بين الطرفين حتى في بعض الملفات خطورة.

إنقاذ هذه الفئة تحتاج إلى تعاون بين الجهات كافة لكن ثمة أسئلة برسم الإجابة طرحتها العشا من رحم تجاربها وهي من هي المؤسسات المؤهلة للعمل بهذا المجال؟ وكيف يمكن أن نوفر الحد الأدنى من الموارد؟ وكلها تحتاج إلى الإرادة والإيمان بقضية المرأة.