زواج الأرملة..بين الحاجة ونظرة المجتمع القاصرة

Printer Friendly, PDF & Email
image

تجد الأرملة نفسها وحيدة بعد انقضاء أيام المواساة؛ تحاول لملمة حروف حياتها المبعثرة، وتربية أطفالها إن وجدوا، وهي كثيراً ما تترك وحدها لتقوم بهذه المهمة في ظل رصد المجتمع ونقده.

تختلف نظرة الأرامل للارتباط الثاني كما هي نظرة المجتمع؛ فبعضهن ترى أن الزواج قد يعيقها عن مهمتها الرئيسة في تربية أبنائها، خاصة أنها لا تضمن تعاون شريك حياتها الجديد، وبعضهن تتقبل الأمر وتقدم عليه تبع للظروف المحيطة بها.

أما المجتمع؛ فتختلف نظرته للأرملة المتزوجة، فالكثيرون لا ينظرون إليها إلا من جانب عدم الوفاء للزوج المتوفى، وقد تواجه معارضة من قبل أهل الزوج المتوفى، وبخاصة إن وجد لها أبناء.

آية.. طالبة في كلية الصحافة والإعلام ترى أن المجتمع العربي في كثير من الأوقات ينظر للمرأة التي تقبل على الزواج بعد وفاة زوجها كما لو أنها قد ارتكبت جريمة نكراء، رغم أن الشرع أحل لها ذلك. وتضيف «برأيي أن هذه النظرة خاطئة من المجتمع وهي سوء فهم للأحداث؛ فالمرأة التي يتوفى زوجها وهي لم تزل صغيرة، أو أن أولادها ما زالوا صغارا، يحق لها الزواج لتكون في كنف زوج، بدلاً من أن تبقى تحت سهام المجتمع القاتلة رغم أنها لن تسلم منها حتى وإن لم تتزوج».

ويكون القبول بالزواج حسب شخصية هذه المرأة ومدى ارتباطها النفسي والعاطفي بزوجها المتوفى؛ فإذا كانت علاقتها به قوية إلى حد أنها لا ترى نفسها زوجة لغيره، فهي لن تقبل بالزواج وستظل وفية له، وستحاول أن تتأقلم مع الظروف والحياة من حولها, وبخاصة أن المجتمع كما هو عليه الآن، لا يستطيع أن يسد لها حاجتها لزوجها.. فإن استطاعت هي أن تتأقلم بعد وفاة زوجها والعيش دون زواج فلا بأس, وإن لم تستطع فإنه يحق لها أن تتزوج ممن يصونها ويحفظها، وهي بذلك أيضا لم تفعل ما يغضب الله ورسوله.

وتختم بأن وجود زوج الأم، قد يؤثر على حياة الأبناء إن وجدوا؛ فبعضهم لا يتقبلون ذلك، والأمر يعود في النهاية إلى الأولاد وأعمارهم ومدى تعلقهم بوالدهم المتوفى.. وإن كان الوالد قد توفي وهم صغار فهم ربما ينسونه ويتعايشون مع زوج أمهم، وبخاصة إن كان هذا الزوج يعاملهم معاملة حسنة مثل أولاده وأكثر. وإذا كان الأولاد كبارا وكانت علاقتهم بوالدهم وطيدة فإن من الصعب عليهم القبول بزوج أمهم وهذا بالبطع يوثر سلباً على علاقتهم به وعلى علاقة أمهم به أيضاً.

أم عبد الله أرملة تزوجت، وتقول «كم يظلمنا المجتمع؛ فبعد وفاة زوجي لم يقف معي أحد إلا إخوتي، ولشعوري أنني أشكل عبئا عليهم قررت الموافقة على أحد من تقدموا لخطبتي، وانتقلت مع ولديّ للعيش في كنفه. أهل زوجي نعتوني بالخائنة، وأخذوا أطفالي، رغم أنهم لم يكونوا يلقون لهم بالاً عقب وفاة والدهم. وبسبب نظرة المجتمع القاصرة، تشتت عائلتنا، وتفرق جمعنا».

أبو مجاهد، يرى أنه لا بد للأرملة من زوج يأخذ بيدها، وبخاصة إن كان لديها أطفال وتحمل عبء تربيتهم. وعن تجربته يروي أنه تزوج أرملة أخيه وهو يقوم الآن بتربية أبناء المرحوم، في ظل رضا من قبل ذوي العلاقة، ولم تواجهه مشاكل في إقدامه على هذه الخطوة، بل وجد وزوجه كل المباركة والتأييد.

أستاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقية الدكتور حسين الخزاعي، يرى أن المعنى المتعارف عليه بين أفراد المجتمع للأرملة، أنها كل امرأة مات عنها زوجها ولم تتزوج بعده، مشيرا إلى أن المرأة عندما يموت زوجها وفي ظل وجود أولاد صغار فإنها ستواجه ثلاث صدمات الصدمة الأولى اجتماعية؛ وتتعلق بمكان إقامة الأرملة بعد وفاة زوجها، حيث أن العرف الاجتماعي يقضي بأن تنتقل الزوجة للعيش مع أهل زوجها وهم يتحملون نفقات ومعيشة الأولاد بالرغم من أن الكثيرين منهم غير مقتدرين ماليا، لكنهم لا يسمحون للارملة بأن تعيش لوحدها، ومنهن من لا يغيرن مكان إقامتهن ويبقين في منزل الزوج، ويتابع أهل الزوج معيشتهم والاطمئنان عليهم. والصدمة الثانية تتجلى في الناحية النفسية؛ حيث إنه بعد وفاة الزوج تولد عند الزوجة القلق والتوتر والخوف على الأسرة والأولاد إضافة إلى فقدها للجانب العاطفي الوجداني وما يتعلق به. أما الصدمة الثالثة فهي اقتصادية؛ وبخاصة أن معيل الأسرة الذي يوفر للأبناء كافة مصاريفهم واحتياجاتهم ويدللهم ويصطحبهم في الرحلات والنزهات غير موجود.. فالزوجة ستدير الأسرة ومصاريفها وستضطر للعمل من أجل توفير مصاريف الأولاد، حتى لا تشعر الأولاد بأي نقص عليهم في غياب والدهم. وفي هذا الصدد أشير إلى أن 11% من الأسر الأردنية تعيلها المرأة الأردنية بعد غياب الزوج عنها نتيجة الوفاة أو المرض أو العجز أو الطلاق والانفصال.

ويضيف الدكتور الخزاعي أنه وخلال السنوات العشر الأخيرة حصل تغير كبير في اتجاهات المجتمع الاردني نحو الزواج من المرأة الارملة وطلب يدها والارتباط بها، حيث ان الارملة لم يكن أحد يتقدم للزواج بها إلا من اقارب زوجها. واليوم هناك حالات زواج كثيرة للارامل، حيث بلغ عدد الارامل اللواتي تزوجن في العام الماضي 328 أرملة، وهذا يشكل نسبة تقارب الـ 1% من مجموع حالات الزواج التي تمت في الاردن. وهذه نظرة إيجابية يجب ان نشجع عليها ونحث المجتمع عليها، وخاصة أن هناك زوجات يترملن في بدايات الزواج وهن صغيرات، فلماذا نحرمهن من حياتهن ومن عطائهن ومن حقهن في الاستمتاع بالحياة؟

ويختم الخزاعي بقوله إنه يتوجب على أهل الزوج والزوجة تشجيع الأرملة على الزواج في حال تقدم لها زوج يحترمها ويعتني بأولادها اذا كان لديها أولاد، ومنحها حرية اختيار مستقبلها وحياتها. ويجب أن لا نستسلم للمعتقدات الخاطئة بأن الأرملة التي تتزوج بعد وفاة زوجها هي غير وفية لزوجها الاول.. هذه موروثات خاطئة ويجب أن لا نلتفت إليها وأن نركز على سعادة الأرملة واستثمار طاقاتها في جوانب الحياة الكثيرة، والزواج فيه الاطمئنان والاستقرار النفسي والاجتماعي والغزيزي والإيثار والمودة والتعاون والمحبة.