يشكل انتشار ظاهرة الزواج المبكر مشكلة اجتماعية كبيرة نحن بأمس الحاجة لتكاثف الجهود للحد من نتائجها الصحية والاجتماعية والاقتصادية.
وعلينا أن نقرر سلفا أن العائلة التي تملك اليوم عددا لا بأس به من التلفونات الخلوية، ليست فقيرة ماديا لتبرر زواج الأطفال بحجة الفقر لأن ذلك مبرر مرفوض ولا يستحق المناقشة، فالزواج المبكر هو جريمة اجتماعية أحد أطرافها المخططين والمنفذين هما الوالدان، والأب أو ولي الأمر الأول بالتحديد، وهناك شركاء حتى تكتمل فصولها ويستحقون نفس العقوبة، ومع كل أسف فإن الضحية لكل هؤلاء واحدة وهي الطفلة الزوجة الأم المرضعة ربة المنزل في غير ذي ميعاد.
كذلك علينا أن نلغي من قاموسنا الاجتماعي عادات اجتماعية متوارثة بمفاهيم خاطئة، تبرر ، الزواج المبكر وتسوغه ،حيث يبحث المجرم عن المبرر لارتكاب خطيئته بحق طفلة، ستحرم من المرور الطبيعي بأدوار الطفولة والتعليم والصحة والحياة، لتدخل عالم الزوجية بتوقيت غير موفق، خصوصا عندما ترتبط بطفل آخر كزوج، أو برجل يكبرها بقدر عمرها، وهو أمر أسوأ من حيث الدرجة والنتيجة، وقد رضي هذا الزوج أن يغتال من حياة فتاة فصلا مهما في حياتها، وهو فصل الطفولة والبراءة الجميل، مدفوعا ومبررا لنفسه السير في هذا الطريق المظلم إرضاء لوالديه .
فالزواج كحدث اجتماعي مجرد هو نعمة ربانية للمحافظة على النسل البشري يفترض أن يؤدي إلى بناء وترسيخ العلاقات الاجتماعية النموذجية المبنية على التسامح والمودة والرحمة والطيبة بين أفراده، وحتى يكون الزواج مثاليا بدرجة النجاح، فيجب أن تتوفر له متطلبات أساسية واولها '' النضج'' للارتباط بمعناه الصحيح للزوجة او الزوج.
تعريف الزواج المبكر
إن المعنى الحقيقي للزواج المبكر من الناحية الطبية والعلمية هو الزواج قبل البلوغ، ومعنى ذلك بالبعد الفلسفي هو الارتباط الزوجي قبل الحيض. ومن وجهة نظري فأجزم أن الزواج قبل إتمام سن الثامنة عشرة من السنوات الشمسية هو الزواج المبكر بمعناه القصدي من حيث المخاطر الطبية والصحية وذات النتائج المدمرة على المستوى الفردي والعائلي والمجتمعي، ويجب التفريق بين مفهومه ومفهوم البلوغ العلمي، فالبلوغ عند الفتاة هو الفترة الزمنية التي تتحول فيها الفتاة من طفلة إلى بالغة بحدوث الحيض (فتصبح طفلة كبيرة) وخلال هذه الفترة تحدث تغييرات فسيولوجية وسيكولوجية عديدة، والبلوغ ليس بحدث طارئ ومفاجئ، وإنما هو مرحلة طبيعية منتظرة ومرحب بها في حياة الأنثى، وتوقيت حدوثها في سنوات العمر والزمان ليس توقيتا ثابتا بل مرحلة زمنية قد تتراوح ما بين سنتين وست سنوات.
ويرتبط ذلك بعوامل جينية أو وراثية وعوامل معيشية وصحية واجتماعية تمر خلالها الفتاة بالعديد من المراحل الطبيعية منذ الولادة، وترتبط بمعادلات هرمونية عصبية دقيقة لا تحتمل الاضطراب، وتتكلل هذه الأحداث في نهاية حلقاتها بحدوث الحيض الذي يعلن بلوغ الفتاة الفسيولوجي. وإذا كان سن البلوغ يتراوح عالميا ما بين 9-16 سنة ولكل بلد ظروفه التي تحكم ذلك، فإنه في بلادنا يقع ما بين عمر 11-12 سنة حسب دراسة علمية صادرة عن الجامعة الأردنية.
ولكن حذاري الاعتقاد أن هذا الحدث الفسيولوجي يعتبر شهادة صحية مصدقة للمرور لعالم الزوجية على اعتبار أن ذلك إعلان على مقدرة الفتاة على الحمل والإنجاب، وهو المفهوم المتداول والمتوارث في أدمغة البعض، حيث أن الواقع الصحي والعلمي يوضح أن جسم الفتاة يحتاج للسنوات التالية حتى يكتمل ويستطيع التعامل مع المرحلة اللاحقة، والتي تتحدد وتتأثر بالمستوى العلمي والثقافي والعمر الزمني على حد سواء.
فالدعوة إلى الفهم الدقيق للسن المثالي للزواج وتأخير حدث الزواج أو الاختيار المناسب لسن الزواج يجب أن تفسر بإطارها الصحيح، وبأبعادها الحقيقية، والتي لا يجب أن تفسر بدعوة التأخير لأسباب غير صحية ، بل يجب ال تركيز على هذا المنطق عند تحليل هذا الأمر ببعده الصحيح وهدفه النبيل الذي يتمثل بحقيقة وهدفها للابتعاد عن المخاطر والأضرار التي تنتج عن الزواج المبكر على كل أركان هذا الزواج ونتائجه، حيث أن تأخير سن الزواج إلى أن تبلغ الفتاة الثامنة عشرة من عمرها سيساهم في تخفيض نسبة حدوث مضاعفات الزواج المبكر الصحية والاجتماعية والاقتصادية.
المخاطر الصحية
الزواج بمفهوم المنطق لهؤلاء يعني الحمل، وبغير ذلك لا يكون الزواج مبررا، والادعاء بوضع خطة لتأخير الحمل، هو إدعاء باطل لأن مثل هذا التفكير غير مفسر في قاموس أصحابه وهو بمنطق الوعي الذي يفتقر إليه هؤلاء الشركاء، وبعكس ذلك فلن يقدموا على ارتكابه، وعليه فيجب التوضيح والتركيز على مخاطر الحمل المبكر المتعددة على الفتاة بشكل أساسي ''بحكم التخصص'' من النواحي الصحية والاجتماعية والنفسية والسلوكية، وأعلم سلفا أن هناك الكم الكبير من الدراسات والأبحاث التي تنذر وتدق ناقوس الخطر لمثل هذا النوع من الزواج.
وللدخول في عمق الموضوع، تتعدد المخاطر الصحية في هذا النوع من الزواج وعلى سبيل المثال إذا حملت الفتاة في فترة زمنية مبكرة من عمرها، فغالبا أنه لن يستكمل حملها بمدته الكاملة لأن جسمها لم يكتمل نموه بعد، بل وأنها قد تتعرض للإجهاض المتكرر والمبكر نتيجة عدم اكتمال العلاقة الهرمونية بصورتها التنظيمية النموذجية الصحيحة. إن مجرد الحدث لابتداء الدورة الشهرية في عمر الفتاة بعمر معين لا يعني بالضرورة مقدرتها الجسمية على التكيف على الأمور الحياتية الجديدة باعتبارها أصبحت (وهذا الافتراض) المسئولة الأولى عن منزل الزوجية بمشاركة الزوج الكريم، خصوصا في فصول الحمل المتتالية. وهناك ما هو أخطر بزيادة فرصة تعرض الفتاة إلى الإصابة بفقر الدم وخاصة خلال فترة الحمل وهو أشهر مضاعفات الحمل بشكل عام، وفقر الدم بحد ذاته يشكل خطرا حقيقيا على صحة الأم وحياتها، ومنطق النتيجة المنتظر لزواج مبكر، أن لا يكون الزوجان المراهقان في دراية تامة لأهمية العنصر الغذائي أثناء فترة الحمل والولادة والرضاعة، خصوصا بين أفراد جيل يضع على سلم أولوياته متابعة التغيير والتبديل لأحدث أنواع التلفونات الخلوية وتقنياتها، بل وتعدد الخطوط الهاتفية إن أمكن، ومراقبة المسلسلات التركية الرخيصة التي بدأت مع كل أسف تدخل بيوتنا رغما عنا، لتنقل إلينا صورا اجتماعية تؤيد مثل هذا النوع من الممارسات وهي بعيدة كل البعد عن مجتمعاتنا الحضارية الراقية والمحافظة.
يعيشان تحت سقف
واحد والحماة تربي ابناءهما !
ناهيك عن زيادة نسبة الوفيات بين الأمهات الصغيرات أي ما بين 15-19 عاما عن الأمهات اللواتي تزيد أعمارهن عن العشرين عاما بسبب الحمل.
هذه الحقيقة تستند في وضعها بعدم مقدرة ونضوج الفتاة لمرحلة زمنية وعمر يساعدها على تفادي مضاعفات الحمل والولادة، حيث أن مرحلة النضوج الفسيولوجي والفكري لم تكتمل، وقد تزداد وفيات أطفال الأمهات الصغيرات بنسبة أكبر من الأمهات الأكبر سنا وذلك لقلة الدراية والوعي بالتربية والتغذية، فهذا الحدث العائلي المنطقي يحتاج لظروف خاصة، لا يستطيع الزوجان المراهقان توفيرها، وتدخل الأهل يفسد هذا المفهوم، ولا يوجد تصرف يدمر حياة الزوجين الصغيرين ويفقدهما طعم الأبوة مثل تولي الأم أو الحماة تربية الأطفال لعدم مقدرة الأبوين على الاضطلاع بهذا الدور وهو منطق غريب ومتناقض فكيف نثق بهما كزوجين يعشان تحت سقف واحد، ولا نثق بقدرتهما على تربية الأطفال؟
منطق أعوج لا بد من تقويمه حيث أن الشطر الثاني من المعادلة هو الشطر الصحيح الذي يجب أن يسود.
وأما الخطر الأكبر من الناحية الصحية للزواج المبكر فيتمثل في زيادة نسبة حدوث الولادة المبكرة وتحديدا الولادة قبل إكمال الأسبوع السابع والثلاثين من الحمل، وما يصاحب ذلك من متاعب ومشاكل صحية على الجنين، والتي تعتبر امتدادا لمشاكل الأم الصغيرة، فعدم وصول مختلف أعضاء الجسم إلى درجة التطور والنضوج بشكلها المكتمل بعيدا عن الربط الغير مبرر بتوقيت حدوث الدورة الشهرية، هو الواقع الذي يجب أن يوضح بصورته الصحيحة، فالرحم مثلا لا يصل إلى حجمه المؤهل للوظيفة قبل سن الثامنة عشرة سنة، واستجابته للتغيرات الهرمونية المؤثرة بشكلها الصحيح، لا تمثل شهادة صحية لقيامه بوظيفته الحياتية قبل عمر معين، وعليه، يجب التذكير أن الولادة المبكرة لها تأثيرها المباشر على زيادة نسبة وفيات الأطفال حديثي الولادة، بالإضافة إلى أنجاب مواليد ناقصي الوزن والنمو وهو ما يجعل هؤلاء المواليد أكثر عرضة للمخاطر الصحية، وحقيقة يجب ذكرها الآن أن الإنجاب المبكر يضاعف من معدلات الإجهاض وآثاره السلبية الغير متناهية وإلى زيادة الإصابة بالعدوى البكتيرية مثل حمى النفاس نتيجة لضعف مقاومة الجسم وسوء التغذية.
وهناك خطر كبير يرتبط إلى درجة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار بعمر السيدة أثناء الحمل الأول وهو حدوث ارتفاع لضغط الدم مع الحمل وهو ما يعرف بتسمم الحمل، ويمثل هذا الوضع المرضي خطرا حقيقيا على حياة السيدة بكل معنى الكلمة لآثاره الخطرة على صحة طرفي معادلة الحمل، وأجزم شخصيا القول أن زيادة فرصة حدوث ثنائي مضاعفات الحمل الخطر المتمثل بالولادة المبكرة (وطفل غير مكتمل النمو والتطور)، وتطور حدوث ارتفاع ضغط الدم المصاحب للحمل، يمثلان خطرا مهددا لحياة السيدة والجنين أو المولود الخديج لو اكتمل الحمل لمراحل الولادة. وهو الثنائي الذي يمثل البعبع الأساسي في الحمل، بل وتكون الأمور أكثر صعوبة وخطورة لو تكلل الأمر بمشاكل الحمل المتعلقة بالمشيمة والنزيف الرحمي المرافق، ولا غرابة في ذلك، فسن الزواج المبكر يمثل خطرا واقعيا لإنغراس المشيمة في موقع متدن بالرحم الصغير نسبيا والذي استقبل الجنين في غير موعد مناسب.
مفهوم الأم الصغيرة ومخاض الولادة
والملاحظ أن الخط البياني لولادات هؤلاء الأطفال تسير بمنطق زيادة نسبة الولادات بالعمليات القيصرية بدون وجود مبرر علمي أخلاقي يريح الضمير، حيث أن عدم مقدرة الأم الصغيرة الحامل على تحمل مخاض الولادة سيجعلها ضحية لولادة قيصرية لعدم نضوجها ودرايتها، فيكون الطريق الأقصر لاختصار الزمن والابتعاد عن مراحل الولادة.
وهناك جانب آخر من المخاطر الصحية التي تترتب على الزواج المبكر بعيدا عن مشكل الحمل والإنجاب ولكنها بنفس الدرجة من الخطورة على حياتها ومستقبلها، حيث يعتبر سن الثامنة عشر هو السن الذي تكتمل به درجة تميز الخلايا والأنسجة في عنق الرحم، وهي الخلايا الطبيعية التي يرتبط نموها وتطورها ودرجة تصنيفها بمستوى الهرمونات الأنثوية والتي تحدد اكتمال نمو النهايات العظمية لتحديد الطول مثلا، فحصول الزواج بكل مراحل وأركانه قبل هذا التاريخ من الناحية الصحية والعلمية، قد يزيد من نسبة الإصابة بسرطان عنق الرحم بسبب التواجد الطبيعي لنسبة عالية من الخلايا غير المحددة السلوك في مراحل المراهقة المبكرة، والتي قد تتمرد على الانضباط الهرموني الطبيعي، حيث أنه من الثابت علميا الارتباط الطردي في فرصة تطور سرطان عنق الرحم مع سن الزواج المبكر قبل إكمال الثامنة عشرة من العمر، بالإضافة إلى عدم تكامل الهرمونات المسئولة عن الطول أصلا وكذلك عدم نمو الهرمونات المسئولة عن تنظيم الدورة الشهرية والتي تكون غير منتظمة أصلا في جيل المراهقة حيث تكون الفتاة في مرحلة النمو الجسماني وهي مرحلة التكيف العمرية.
المشكلة في أبعادها الوطنية
ناهيك عن ضعف الوعي الصحي في هذا الجيل وبالذات لنظرية تنظيم الحمل وتحديد النسل خصوصا أن مفهوم الزواج المبكر يعني التفرغ للحياة الزوجية في مجال ضيق بعيدا عن حسابات المنطق، فلا عتاب لزوجين صغيرين بالعمر عندما يفرحان بتكرار فرصة الحمل والإنجاب كمكافأة اجتماعية لمغامرة صعبة عليهما ولا ذنب حقيقي لهما بالنتائج،فالنتيجة ببعدها المنطقي والحسابي تكرار الحمل وزيادة عدد الأطفال، دون الحسابات الدقيقة لنتائج التأثير الصحي المضاعفة من الناحية الجسدية والنفسية، ومنطق عدم الأهلية على تربية الأطفال في هذا العمر الطفولي المبكر، فزيادة الأعباء الملقاة على عاتق الفتاة في هذه الفترة من حياتها يحمل نتائج سلبية على المستوى العائلي الصغير والكبير وبالتالي على المستوى الوطني، وعلينا أن لا نفاجئ لو تطور الأمر لمشكلة أكبر في حالة عدم حدوث الحمل الفوري بعد الزواج بسبب عدم اكتمال النمو ومن شأن ذلك أن يزيد من الضغط النفسي على الزوجة الصغيرة، والتي في النهاية سوف تصنف بمجموعة أصحاب الحضوض الضعيفة في القدر والحياة لفرصة الهرم والشيخوخة المبكرة وترهل الجسم المبكر خاصة عند عدم وجود فرصة بين الولادات وعدم تمكنها من استرجاع القوة والصحة بعد الولادة، وهو تفسير يريح من حيث اللغط اللغوي، ولكنه يفتقر لمبادئ التفكير العلمي السليم، على اعتبار أن الإقدام على فعل كهذا لن تكون نتيجته إلا هذه النتيجة المؤسفة.
الانعكاسات على الطفل
مع التسليم بنتيجة الزواج المبكر لزيادة فرصة الولادة المبكرة واحتمال ولادة أطفال قليلي الوزن، وضعيفي المناعة، وبطيء النمو والتعرض الطردي للأمراض المتكررة خصوصا مع عدم اكتمال نمو الرئتين، فيولد قسم من الأطفال يعانون من إعاقات وأمراض دائمة هي في النتيجة سببا كافيا لزيادة حلقات المسلسل المرضي وما يترك من صدمات عائلية على الزوجين الصغيرين الذين في حقيقتهما بحاجة للرعاية وتدبير الأمر، ويعتمدان بشكل كلي على الأهل في جميع مفاصل حياتهما، عندما يشكل تناول البوظة سببا للسعادة.
فهناك من المشاكل التي يعاني منها الأطفال الجدد نابعة من عدم وعي الأم الصغيرة الكافي للعناية بالأطفال والتغذية السليمة مما يؤدي إلى عدم إعطاء الطفل فترة رضاعة طبيعية كافية، وتعرضه لأمراض وحوادث صحية وبيئية أخرى، فهناك مفهوم خاطئ متوارث في المجتمع مفاده أن أمهات صغيرات في السن هن أقوى وأصح جسديا وبالتالي يكون النسل أقوى، وهو مفهوم أتمنى دفنه أو تصحيحيه على أقل تقدير، حيث أن الواقع العلمي غير ذلك إذ أن الدراسات أثبتت أن المواليد لأمهات فوق الـــــــ20 ولآباء فوق الـــ20 عاما هم أكثر نضجا وأكثر استعدادا لامتلاك صحة عقلية وبدنية على السواء، وهما أكثر أهلية لتولي الشؤون العائلية..
فعالم الزوجية بكل أركانه الجميلة والمعقدة، هو الأمل لكل فتاه ولكن يجب أن يحترم ذلك في توقيته، وعدم فهرسته بعنوان ''ماكينة للتفريخ والولادة'' فمرور الفتاة بتجربة الزواج المبكر يجعلها تعاني أضعاف الأضعاف لسنوات أطول وأقسى،فهذه الأزمة يغلفها الصمت وتغيب احتياج الأنثى إلى أطنان من الثقة بالنفس والى تجربة حياة غنية وبلوغ، كفيل لها بأن يعينها على مواجهة التحدي، والى أهل يقفون من ورائها فلا يتركونها تجادف في قارب الزوجية وحيدة قبل الموعد. وعدم القدرة على التعبير عن المشاعر الناتجة عن دخولها الحياة الزوجية في غير التوقيت المناسب والشخص المناسب الذي يجب أن يكون لها رأي به، وسيوقعها بمسميات نحاول أن نفسرها بحسن النية كالخجل والغضب والخوف والضعف والنفور فيمنعها من مواجهة حقيقة مشاعرها اتجاه نفسها واتجاه الزوج والمحيطين بها.
الزواج المبكر هو احد حالات الاعتداء على تطورالانثى النفسي والاجتماعي وبهذا فهي أمام مسألة انعدام السيطرة على حياتها وحرية التحرك والاختيار الذي تفتقر له الفتاة العربية في بيئتها، ويجب هنا عدم المقارنة والخلط مع سلوكيات الفتاة الغربية بسنوات المقارنة والتي نرفضها جميعا في مجتمعنا المحافظ على سلوكياته المثالية، ناهيك أن ذلك يجب أن يفسر بأنه يعني نوعا من سلب الاستقلالية الأساسية للفتاة من حيث الحفاظ على خصوصيات فرصة الانفراد بنفسها.
دراسة وأرقام ودلالات
وفي الأردن وأثناء مراجعتي النهائية لفصول مقالتي هذه، نشرت دراسة أجرتها الجامعة الهاشمية بدعم من الوكالة الكندية للتنمية الدولية على عينة منزلية شملت 3000 منزل مختارة عشوائيا في مختلف مناطق الأردن حول الوضع الأسري، وتبين بأن 43% من المستجيبين يرون أن العمر المناسب لزواج الفتاة هو من 18-22 مقابل 6,45 % يرون أن العمر المناسب هو ما بين 23-27 سنة. وأشارت الدراسة إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع المستجيبين (3,77 %) يعتقدون بأن المرأة العاملة يصبح لها دور أكبر في اتخاذ القرارات في المنزل، وهذا ما أيدته الإناث أيضا بنسبة 80%. ، والمتابع للإحصاءات الرسمية في الأردن والتي تدخل في صلب البناء الاجتماعي يرى بوضوح ارتفاع ظاهرة زواج وطلاق المراهقات، أي الفتيات اللواتي تزوجن وأكملن سن الخامسة عشرة ولم يكملن سن التاسعة عشرة، حيث تبين الأرقام إلى أن عدد حالات الزواج بين الفتيات اللواتي تزوجن في هذه الفئة العمرية ( 15-18) سنة كانت في عام 2008 ( 9014) حالة زواج طلق منهن (422) زوجة، وهي نسبة مرتفعة جدا، ستفرخ في المجتمع واقعا مؤلما .
ومما لا شك فيه أن إنهاء المراحل التعليمية والحصول على الشهادة الجامعية الأولى على الأقل، وسن القوانين الصارمة التي تمنع استغلال الثغرات بمفهومها المحدد هي الوسائل الكفيلة بإيجاد فرصة العمل المناسبة والتي تعتبر سلاحا للحماية الشخصية من تقلبات الزمان، والتي لن تتحقق لو حدث الزواج قبل سن الثامنة عشرة من العمر. هذه النتيجة أثلجت صدري وكانت محل تقديري لما فكرت به وهدفت إليه، ونويت أن أوصله من خلال حديثي التحذيري عن مثل هذا النوع من الزواج. كذلك فقد شاركت في ندوة شبابية ببرنامج ''الحكي إلنا'' الذي يبث على شاشة التلفزيون الأردني مساء كل جمعة، وسعدت لتحمس الشباب بمحاربة هذه الجريمة الاجتماعية، والاتفاق على الرفض الكلي لمثل هذا السلوك ، ومهما كان مبرره، فزيادة نشرات الوعي والتثقيف الصحي في المنزل والمدرسة، وبمختلف وسائل الإعلام هو واجب يفرض على كل منا في موقعه لما في ذلك من دور أساسي ومحوري هام، وعلينا أن نوفر لأطفالنا التمتع بالمراحل العمرية المختلفة وكل حسب مقدرته واستطاعته، وتحت عنوان واحد قد يختلف سبيل تنفيذه وهو المحافظة على ابتسامة الطفولة في عالم متغير لا يرحم.
اختصاصي النسائية والتوليد
مستشفى الجامعة أستاذ مشارك
كلية الطب الجامعة الأردنية
mail kamilfram@hotmail.com








5118 ,Amman 11183, Jordan