يسرى أحمد الرطروط .. كانت الارجيلة تجهز على صوت العود وفنجان القهوة .. ولم ادخنها

الرئيسية > المركز الاعلامي > الأخبار > يسرى أحمد الرطروط .. كانت الارجيلة تجهز على صوت العود وفنجان القهوة .. ولم ادخنها
Printer Friendly, PDF & Email
image

هذه الصفحة بيت ضيافة أردني لخزائن الخير والرضى ..
هم الذين انعم الله عليهم بطول العمر المؤثث بالذاكرة الشابة. لديهم التجربة والحكمة والرضى، ما تفيض به نفوسهم فيغدقونه على الأجيال الجديدة، وفاءً للوطن واحتسابا للألفة الاجتماعية وشحنا للعزيمة في مستجدات حياة سريعة لا ترحم.
من باب الاحترام الكثير والثقة العالية، كانوا يسمونهم ''القرامي'' وهي الجذور العميقة والسيقان الصلبة للأشجار الوارفة. نُقبّل أيديهم ورؤوسهم وفاءً لهم وانتظاراً لما يقولونه من حكمة أو يستدعونه من ذكريات وقصص، وامتثالا لما يحرصون عليه من صلة الرحم وكافة خصال الخير التي تحتاج الأجيال الجديدة من يُذكّرهم بها.
''مِنْ زمان'' بيت ضيافة ''الرأي'' الذي نلتقي فيه هذا الجيل الأثير وهو يعيد على مسامعنا بعضا من صفحات تاريخ العزّ المدوّن في الذاكرة الوطنية.

 


ملك يوسف التل - من نابلس ..من جبل النار .. من خيمة الدم المنصوب في ريح الثورة ومن الوطن الهادر، وطن الزئبق والأفق الأزرق والأيدي المسحونة كالصخر الأحمر في ليل الخنجر، من كل معسكر، من وردة تتوهج شوقا فيضيء شذاها في القلب فترفرف في عيني الدرب ،وترفرف أصوات الرفاق أسرابا ورعودا في الآفاق .
من على هذا الجبل الشمالي من عام 1928 أطلقت يسرى أحمد الرطروط صيحتها الأولى اعلانا ببدء الحياة . وبذكاء وذاكرة حادة وتسلسل راق تحكي تفاصيل سني عمرها في مسقط رأسها طفلة وصبية وهي تحمل رائحة الوطن وأجمل ذكرياته .. مداخله.. زقاقه.. حاراته .. ناسه وشقاوة الطفولة وريعان الشباب.
كان بيتنا في البلدة القديمة، وهو أول بيت بني لدار الرطروط في نابلس في الجبل الشمالي حيث ولدت على يد الداية ميسر جمله وكان هذا البيت قبل ان نسكنه جميعه لعائلة الرطروط،أما الجبل الشرقي فقد كان لبيت السلقوط.

 من تذكرين من جيرانكم في الجبلين الشمالي والشرقي في نابلس؟

جيراننا كثر اذكر منهم عائلة مسمار، ودروزه، والطبيله، كما واذكر منذر المصري وزير التربية الأسبق كان جارا لنا، وكان يعمل أيضاً في التربية والتعليم كما اذكر عائلة شاهين وكان مقابل بيتهم كازية لعائلة التميمي، وأيضاً عائلة الصيفي والبسطامي ومنهم الشيخ أحمد البسطامي وهو عالم من علماء المسلمين .. كنا جيران يدا وقلبا وروحا واحدة، يتبادل الكبار الزيارات فيما نحن الأطفال نلهو ونلعب فشهرات أبو زهرة وشقيقتها شهيرة صديقات طفولة كنا سويا نلعب '' طماية'' و''زقطة'' و''نط حبل''وكانت معنا أيضا مروة دروزه وابنة عمها أزهار وصديقة اخرى من بيت مسمار نسيت اسمها الأول .
في رمضان وما أجمله من شهر عندما أتذكر كيف كنا نتهيأ قبل قدومه بأسابيع .. ننزل للسوق في المساء ومعنا القناديل نضع فيها الشمع لعدم وجود الكهرباء وكانت الوكسات تنير الطرقات والبيوت بضوء على الكاز ونسير إلى السوق لشراء الفستق واللوز والقضامة ، فكانت أياما ولا أجمل.

 كم كان عمرك عندما دخلت المدرسة؟

كنت في السابعة من عمري عندما دخلت المدرسة المختلطة ودرست فيها الأول والثاني الابتدائي ، ثم انتقلت إلى المدرسة العائشية والتي كانت مديرتها عائشة الحجاوي، وهذه المدرسة كانت مدرسة حكومية استمررت فيها من الصف الثالث ولغاية الصف السابع.

 من تذكرين من المعلمات؟

أتذكر '' مس '' وداد شاهين، ولمياء كمال، وطرب كمال، وغفران الشرابي، وصفية أبو غزالة وكنا نتعلم كل المواد من عربي ودين ورياضيات وتاريخ وفي الصف الرابع بدأنا نتعلم اللغة الانجليزية وكنت طالبة مجتهدة في جميع المواد خاصة في الرياضيات ودائما أكون الأولى في صفي.

 كم كان عدد طلاب الصف؟

ما بين 30 إلى 35 طالبا.
ما أهمية التعليم في زمنكم ..هل كان الأهل يشجعون على ذلك ؟ كان الأهل يهتمون جدا بتدريس بناتهم وأبنائهم فالدراسة هدف هام ومن ثم الوظيفة او العمل الحر بالنسبة للشباب وبالنسبة للفتيات فالعلم قبل الزواج لذلك لا بد من ان تتابع الفتاة دراستها حتى الصف السابع ولمن يستطيع مادياً يتابع في مدرسة النجاح ومدارس اخرى خاصة مقابل اقساط شهرية او فصلية او سنوية لكن ليس الكل كان باستطاعته توفير أقساط المدارس لأبنائهم .بالنسبة لي عندما أنهيت الصف السابع جلست في البيت، ولم أذهب لدار المعلمات التي كانت تشترط الثلاثة الأوائل في صفوفهم كما وان التسجيل فيها يترتب عليه دفع رسوم سنوية لذلك لم أستطع الذهاب لدار المعلمات.

 هل تعلمت شقيقاتك السبع للصف السابع أيضا؟

بالنسبة لشقيقتي الكبرى رئيسه عندما سجلت في المدرسة توفي أخي وكان الشقيق الوحيد بيننا، وكانا قد حصلا على القبول ليلتحقا في بداية العام الدراسي وقد استلم أوراق قبولهما عمي شقيق والدي، وبسبب وفاة أخي، لم يسلم عمي أوراق قبول شقيقتي لوالدي . وعندما فتحت المدارس أبوابها عرف والدي ان عمي امتنع عن تسليمها له حتى لا يرسل شقيقتي للمدرسة اعتقادا منه ان وفاة اخي أثرت على دخولها المدرسة فلم تذهب ، وكانوا وقتها يرسلون الفتيات لتعلم الخياطة، فتعلمت جيداً ..أما بالنسبة لشقيقاتي الأخريات فجميعهن درسن للصف السابع. ومن ثم تابعن تعليم الخياطة مع شقيقتنا الكبرى رغم انه تم استحداث الصف الثامن، لكننا اكتفينا حتى الصف السابع.

 كم كان عمرك عندما انهيت الصف السابع؟
كنت في الرابعة عشرة من عمري.
 وفي اي سن تزوجت؟
في سن السابعة عشرة.
 هل كان الشباب في زمنكم يطمحون بالزواج من فتاة متعلمة؟

لم يكن هذا امرا هاما يشغل بالهم لأن الشباب أنفسهم لم يكونوا يتعلمون إلا للصف السابع أيضا لعدم وجود مدارس في نابلس بعد السابع، لكن هناك كما ذكرت من كان باستطاعته إرسال اولادهم وبناتهم للمدارس الخاصة أو للخارج لمتابعة تحصيلهم العلمي.

 كيف تعرفت على زوجك؟

زوجي هو ابن عمي يعرفني وأعرفه لكن لم نكن نرى بعضنا البعض.
وعندما فكر بالزواج عرف من أهله بأن والدته تريد زواجه من ابنة عمه الحاج أحمد الرطروط، '' وهي أنا'' فكان جوابه انه لا يعرفني، فارسلت ابنة عمي بطلبي حيث كنت في البيت فدخلت غرفة الضيوف وإذا به يجلس على الكرسي فعندما رأيته خجلت وعدت راكضة الى الغرفة الأخرى هكذا رآني ورأيته بلمح البصر فأعجب بي وكان عمره حينها 21 سنة وكان يعمل.

 كيف رتب للجاهة ؟

بالنسبة لي لم تكن هناك جاهة لأنه ابن عمي أما للغريب وهي عادة تشترك فيها اكثر من بلدة فلسطينية وما زالت هذه العادة القديمة المتجددة احدى خطوات الاعراس الرئيسة . وتقدم فيها القهوة التي لا تشرب الا بعد الموافقة على الطلب ، وتتلوها قراءة الفاتحة ثم تقديم الحلوى دلالة على القبول . وهنا انوه الى انه في بعض الاحيان يتم عقد القران على يدي المأذون في حضور الجاهة .

 كم كان مهرك؟

 مائتي دينار المتقدم ومائتي المؤجل. وهذا المبلغ شامل الشبكة والملابس وكل شيء؟

أين سكنت؟

مع أهل زوجي.
أعمال المنزل على من كانت، على الحماة أم على الكنه؟
كان العمل مشتركا بينهما.
صفي عرسك..
يوم زفافي كان يوما جميلا وكنت قد هيأت نفسي قبل يوم الزفاف باسبوع وبالعادة تقام حفل حناء للعروس ترقص فيها الفتيات ويغنين ويتحنين أيضا لكن هذه العادة ألغيت ولم يتم لي عمل حناء. وبالنسبة لحمام العريس كان يتم دعوته من أحد الأقارب أو الاصدقاء لبيت أحدهم وكان بعد انتهاء العريس من الحمام يخرجونه بزفة وزغاريد النساء ودق الطبول والغناء.
أما السهرات كانت كما هو الآن تبدأ قبل حفل الزفاف باسبوع في بيت العريس من بعد العشاء وتستمر حتى الفجر.. ويوم عرسي لبست الفستان الأبيض ورقصت به ، ومن ثم الفستان الأزرق، والزهر.. في السابق كنا نغير أكثر من فستان، وكانت السهرة تبقى للصباح، وفي اليوم الثاني من حفل العرس يقوم أهل العريس بعمل غداء كما وأهل العروس خلال أسبوع زواج ابنتهم يقومون بعمل غداء.

 تقصدين عزيمة النسب؟

نعم سواء كانوا أقارب أم غرباء فهي واجب للتعرف على أهل العروسين من ناحية ومن جانب آخر تقدير للطرفين. فأهل العريس، يقومون بدعوة أهل العروس في اليوم الثاني من العرس، وبعد أسبوع من الزواج يقوم أهل العروس بدعوة أهل العريس لتناول طعام الغداء.

 ما أول هدية أحضرها خطيبك لك؟

خاتم ذهب.
كصبية جميلة وفي سن المراهقة ألم تجربي الحب .. الم يعاكسك الشباب ؟ لا، لم نكن نعرف ما هو الحب حيث تقصدين بين شاب وفتاة فالأهل كانوا شديدين جدا علينا في هذه الأمور كما لم يجرؤعلى ذلك وهذا أصلا لم يكن موجودا في زمننا فالشباب كانوا ينظرون الينا كبنات حي واحد وحارة واحدة كأخوات يحرصون علينا كشقيقاتهم تماما.

 هل كنتم تعرفون الراديو وما الأغاني التي كنتم تسمعونها في الماضي؟

في البداية لم يكن الراديو موجودا، وبعد ذلك أصبح عندنا راديو في البيت، وصارت الناس تسهر مع بعضهم وهم يستمعون الى الراديو وأم كلثوم تغني ، فكان الرجال يذهبون إلى المقاهي لسماع أم كلثوم ونحن في البيت كنا نستمع ايضا لأسمهان وعبد الوهاب وشادية.

 أهل نابلس معروفون بتدخين الأرجيلة، هل كنت تشربينها ؟

لا، ولم أدخن بحياتي.. لكن أهل نابلس مشهورون في الأرجيلة، وفي الاستقبالات كان يجلس أصحاب البيت والجيران مع بعضهم البعض ويشربون الأرجيلة، ويغنون ويرقصون ويضربون على العود. وهذا كان يحصل كل يومين أو ثلاثة عند جارة من الجارات.

 هل كنت تضربين على العود؟

لم اتعلم دق العود ، بل أختي الكبيرة هي التي تعلمت وكانت وهي تعزف نستمع اليها باستمتاع وكنا ندندن معها مما نعطي لحياتنا رونقا من البهجة والمتعة والسرور فكانت أياما جميلة وسعيدة نقضيها سويا مع القريبات والصديقات وبنات الجيران.

 هل شقيقتك الخياطة أخاطت بدلة زفافك؟

نعم وكانت جميلة جدا وموديلها غريب .. لقد تفننت بخياطتها حتى اعتقد البعض انها جاهزة كما أخاطت ملابس لشقيقاتي أيضا ارتدينها في حفل زواجي .

 نقوط العروسين هل يتم اثناء جلوسهما على اللوج؟

نعم من يريد ان ينقط العروس او العريس أو كليهما يصعد الى اللوج ويسلم على العروسين مهنئا وينطقهما فشقيقتي ألبستني أربع أساور ذهب سحب، ووالدتي قامت بتنقيطي أيضاً.وغيرهما نقطوني نقدا وهكذا من طرف العريس ايضا وهناك من يذهب لبيت العروس وينقطها في بيتها نقدا او ذهبا او أي هدية اخرى تحلو له.

 هل كان هناك احتفالات وطقوس معينة للمولود الذكر والمناسبات الأخرى؟

طبعا إذا كان المولود البكر ذكرا كان الأهل يقومون بعمل احتفال كبير له كما كانت تقام الحفلات ايضا لمن يتخرج أبناؤهم من المدارس ، وأيضاً من كان يختم القرآن الكريم كانوا يقومون بعمل حفلة كبيرة له وكأنها عرس وفي الاعياد والمواسم الدينية اعتاد سكان نابلس ان يحتفلوا بكثير من الاعياد والمناسبات والمواسم الدينية ، ومنها رأس السنة الهجرية ، وفي العادة كانوا يأكلون وجبات مكونة من الخضروات الخضراء تيمنا بان تكون سنتهم خضراء ، وكذلك كانوا يتناولون ولا يزالون وجبة ''الروس'' حتى يظلوا ''روسا'' وفي يوم عاشوراء في العاشر من محرم ، كانوا يحضرون لها حلوى تسمى ''عاشورة'' وفي ليلة الشعلة في الخامس عشر من شعبان كانوا يضيئون المشاعل في البيوت والمواكب .
وقد شارك سكان نابلس المدن الفلسطينية الاخرى في احياء موسمي النبي صالح والنبي موسى .
وفي ليلة القدر المباركة ما زال النابلسيون يحتفلون دينيا بليلة القدر المباركة واحيائها حتى مطلع الفجر ، وقد جرت العادة ان يخرج القائمون على المسجد الحنبلي ''شعرات النبي'' صلى الله عليه وسلم بعد صلاتي الظهر والعصر ليتبرك المصلون بها وكانت هذه الشعرات قد جلبت من اسطنبول .
ومن أجمل الأعياد في نابلس عيد المولد النبوي الشريف حيث تكتسي فيه المدينة حلة قشيبة من الزينة والاضواء ، وتقرأ الموالد الدينية وتوزع الحلوى .
وفي موكب البيرق وهو صورة عن علم الرسول صلى الله عليه وسلم يحمله احد ''قبضايات'' المدينة في احتفال ديني مهيب في مناسبات ''موسمي النبي موسى وصالح و الاسراء والمعراج وغيرها'' يبدأ من البوابة الشرقية حتى البوابة الغربية . وكان حامل البيرق الذي يبلغ ارتفاع ساريته خمسة امتار يتهادى به يمنة ويسرة على شبابيك الدور وشرفاتها حيث كانت النسوة تعطرن البيرق وتشبكنه بالمناديل وهن يزغردن . واما المحال التجارية التي كان يمر الموكب امامها فكانت تقدم الحلوى والسكاكر . وكان لهذا الموكب اهازيجه واغانيه الخاصة به.
ماذا أعطتك الحياة ؟ الحياة لم تعطني شيئا أنا التي أعطيتها من حياتي الكثير .. حلمت وتأملت وحققت ما أصبو اليه بالصبر الذي كان سلاحي وما زال.