ترتفع دقات الطاحونة في جو البلدة الرزين في ايقاع سريع منتظم ورتيب كدقات قلب الانسان حين يكون سليما ، معافى البدن والروح والحواس الخمس.
والطاحونة لا تذوق طعم الراحة الا عندما يأتي الليل بسواده واحزانه وكلابه الضالة. ساعتها فقط ، يصمت قلبها عن الخفقان ، وتكف رحاها عن الدوران ، وتهدأ عضلاتها الحديدية عن الحركة ، وتستغرقها نومة طويلة عميقة كأحلى ما يكون النوم.
اما اليوم بصباحه وظهيرته ومسائه فهي دوما تهدر وتلوك حبوب الشعير والحنطة ، وتنفث دخانها الاسود في سماء البلدة كأنه رياح الغضب.
تلك هي الذكريات التي يمكن البوح بها حين نتحدث عن مطحنة ام صالح ، وهي امرأة تبلغ من العمر 65 عاما معروفة لدى معظم أهالي بلدة بصيرا بصاحبة مطحنة قديمة وسط احد أحياء البلدة المهجورة و الوحيدة في البلدة التي يذهب إليها القلائل من السكان ممن يستخدمون الأفران المنزلية .
الدستورالتقتها وهي تشرف على إدارة المطحنة تقف إلى جانبها الساعات الطوال تنتظر القليل من القروش ثمنا للصاع الواحد من الطحين وتعتبرها مصدر رزقها البسيط والوحيد أم صالح التي تحدثت للدستور بمرارة وألم قالت وهي تظهر حالة من مشاعر التذمر والغضب الشديدين أنها واجهت حياة صعبة عبر رحلتها الطويلة و منذ زواجها من زوجها الذي يكبرها 30ب عاما ولم تكتمل فرحتها حيث توفي زوجها عنها الذي كان معيلا و لايملك من متاع الدنيا سوى المطحنة وأضافت أنها انطلقت لتعمل مكان زوجها في مهنة أدارة المطحنة منذ 13 عاما من اجل إعالة سبعةابناء لها أنفقت عليهم جمعيا من خلال قيامها بأعمال منزلية تهذيب المناديل في الحي و مزوالة أعمال الحصاد حتى تمكنت من تدريس ابنتها في إحدى كليات المجتمع ومازالت عاطلة عن العمل منذ اكثرمن أربع سنوات وأشارت أنها تهتم بولدها طه المصاب باعاقة شديدة يكلفها علاجه مبالغ طائلة وقالت انها لاتملك سكنا بل هي تسكن في بيت مستأجرا لها أمنية وحيدة ان تحظى بسكن كريم كونها أسرة تنطبق عليها شروط الإسكان حسب تعبيرها وتدعو كافة سيدات المجتمع عدم اليأس والثبات في وجه التحديات وهي الطريق الأمثل للخوض ظروف الحياة الصعبة بعيدا عن الكسل والملل وضعف الهمة لان العمل عبادة.
وطاحونة ام صالح جزء من تراث القرية ، وقد شكلت معلما لافتا للنظر ، خاصة انها تعود الى ذلك النوع من الطواحين الذي يتميز بالرحى الكبيرة المصنوعة من الحجر البازلتي الصلب التي تهرس حبات القمح من خلال دورانها.
والطواحين القديمة تتميز باقشطتها الجلدية الكبيرة وتروسها التي تدور وتعمل المياه على تبريدها ، حيث المواسير التي تأخذ الماء من حوض كبير الى جانب الطاحون ثم تعيده مرة اخرى الى نفس الحوض.








5118, Amman 11183, Jordan