فتحت قضية ما عرف ب ''إزالة أرحام المعاقات عقليا''، الباب على مصراعيه أمام المطالبة بإنشاء مؤسسة حكومية أو أهلية أو وقف، لرعاية هذه الحالات وحمايتها، ومساعدة الأهل على تربيتها.
فبعد أن تناولت وسائل الإعلام المحلية الأمر، انكشفت قضية اجتماعية خطيرة تحتاج للتكافل مابين القطاعين العام والخاص، بهدف إيجاد مأوى لهذه الفئة التي لا ذنب لها لما تعاني من حالة مزمنة، تستحق منا أفرادا وجماعات معاقبتها في اتخاذ قرارات بالنيابة عنها.
ودفعت القضية مؤسسات المجتمع المدني وفق رئيسة المعهد الدولي لتضامن النساء المحامية أسمى خضر لإطلاق تحالف وطني، بهدف حماية المعاقات عقليا، وإيجاد السبل الكفيلة لإيوائهن ورعايتهن.
وبرز نتيجة لذلك جدل أخلاقي عما إذا كان يجوز للأهل اتخاذ مثل هذا القرار، وهل هنالك مسوغ قانوني وطبي وأخلاقي يبيح للأهل نزع عضو من إنسانة لأنها ابتليت بإعاقة عقلية لا يمكن شفاؤها بحسب الرأي الطبي؟؟.
ورغم توافق الآراء القانونية والشرعية والطبية والاجتماعية على ضرورة إيجاد وقف أو مؤسسة لرعاية المعاقات، والعودة إلى التكافل، إلا أنهم اختلفوا بإباحة أو منع استئصال الأرحام.
مقرر اللجنة الوطنية للأخلاقيات الطبية الدكتور مؤمن الحديدي يرى أن غياب التكافل الاجتماعي، أدى بالأسر إلى التفكير بازالة أرحام بناتهم المعاقات كحل سلمي يعينهم على مصابهم.
وحمل المسؤولية للمجتمع خلال حلقة نقاشية عقدت لهذه الغاية أمس في المعهد الدولي لتضامن النساء لعدم وجود تراحم وتكافل أو مؤسسات رعاية تعين الأهل على تجاوز محنتهم ويساندهم في رعاية فلذة كبدهم وحمايتها من التعرض لأي مخاطر داخلية أو خارجية تبدأ بالرعاية الصحية لتصل إلى خطورة تعرضها للاغتصاب، ما يجعل من قرار إزالة الأرحام قضية قابلة للنقاش.
وبين أنه لغاية الآن لم يصدر قرار قطعي حول الموضوع لأنه، وفق د.
الحديدي قضية متغيرة خاضعة لعوامل مجتمعية، مشيرا إلى أن ثمة حالات كان القرار فيها نعم لاستئصال الرحم وحالات أخرى تم رفض الأمر.
وشدد أن استئصال أرحام المعاقات عقليا غير مسموح بالمطلق، لكن تدرس كل حالة بصورة فردية، بحيث تأخذ بالاعتبار المصلحة الفضلى والبيئة المجتمعية.
وأوضح انه لو تتغير الظروف في المجتمع بحيث يصبح لدينا مؤسسات قادرة على حماية الأسرة ومساعدتها، سيتغير رأيه تجاه الحالات التي تم الموافقة على استئصال أرحامها.
وضرب د. الحديدي مثلا على حالة وصلت إليه وهي طفلة عمرها بالسنوات هو 14 عاما، والعقلي لا يتجاوز عامين، عندما بلغت اضطر والدها إلى ربطها بالحديد حتى لا تخرج إلى الشارع لعدم قدرتها على رعاية نفسها واستيعاب ما هية الدورة الشهرية، إضافة إلى أنه لا يوجد من يرعاها في المنزل أثناء غيابه بالعمل.
وقال أن لجنة الأخلاقيات الطبية عند دراستها للحالة وجدت انه لا يوجد من يرعى الفتاة، ولم يجد الأب مؤسسة ترعاها، فكان رأي اللجنة أي قرار يتعلق بالمريض يعتبر مصلحة فضلى.
الطبيب النفسي د. محمد الحباشنة أعلن في حديثه أنه يوافق د. الحديدي ولكن بشكل أكثر تطرفا، فهو كما قال يميل إلى استئصال رحم المصنفات ضمن ''معدل الذكاء'' أقل من 50 أي أنهن معاقات عقليا بدرجة شديدة ، فهن وفق د. الحباشنة لا يستطعن الزواج بأي حال من الأحوال، وغالبا لديهن اضطراب بيولوجي وجيني وإمكانية توارثها واردة، ويعانين من خلل في التواصل ورعاية الذات والاستقلالية والتمتع بالعمل والسكن..الخ.
وبين أن الشخص يعد منخفض القدرات العقلية بناء على معادل الذكاء، ويقرأ بناء على فحص، وهذا يستدعي معادل ذكاء اقل من 70 .
ووفق التصنيفات فإن معادل الذكاء الذي يتراوح ما بين (50 - 70) هو تخلف عقلي بسيط ، (35- 50) تخلف عقلي متوسط، (20 - 35) تخلف عقلي شديد، أقل من 20 تخلف عقلي شديد جدا، فيما الذكاء الاعتيادي يتراوح من (90 - 110)، منوها أن المعاق عقليا لا يتطور ولا يشفى .
بالمقابل صنف د. الحباشنة صاحبات معادل الذكاء (50 - 70) بأنهن يقبعن في المنطقة الرمادية، أي انه ينبغي تقييم مهارتهن، وأهليتهن للزواج، وبحث مدى ضرورة استئصال الرحم قبل اتخاذ القرار.
وشدد أنه ليس ثمة آثار نفسية لاستئصال الرحم على المرأة الطبيعية، وفقا لدراسات عالمية التي تؤكد أن ما بين 75 - 100 % ممن أزلن أرحامهن يشعرن برضى نفسي بعد العملية، فيما تشعر 5% منهن بالندم، خصوصا إذا كانت أعمارهن تحت 26 عاما.
ومن جانبه يعارض أستاذ الشريعة في الجامعة الأردنية د. محمود السرطاوي استئصال أرحام المعاقات عقليا باعتباره يندرج ضمن الحق في حفظ النفس الإنسانية في الشريعة الإسلامية.
وعاب على المجتمع عدم تواده وتكافله وتراحمه في هذه القضية المجتمعية الخطيرة، داعيا إلى إيجاد ''وقف'' للمعاقين لرعايتهم إما وقف أسهم أو وقف دنانير للصرف على مؤسسة لرعايتهم.
وحث مؤسسات المجتمع المدني على التكاتف لإيجاد وقف خيري لإنشاء مؤسسة خيرية لهذه الغاية.
من ناحيتها اعتبرت المحامية خضر أن إزالة الأرحام مخالف للقانون والاتفاقيات الدولية الخاصة بالمعاقين ومناهضة التعذيب، معتبرة أن الضرر الذي سينشأ عن هذه العملية يفوق الأسباب التي أزيلت من أجلها.
وبينت أن قانون العقوبات الأردني في المادة 22 تعاقب الإيذاء الذي يستهدف البدن، فلا يجوز إحداث ضرر في جسم إلا إذا كان لأمر طبيا أو لسبب قانوني.
ودعت إلى تعزيز وعي الأسر لمخالفة الأمر قانونيا ودينيا، ومساعدتهم على رعاية وإعالة بناتهم المعاقات عقليا.
القضية رغم رفضنا الإنساني لها خاضعة للنقاش فهل الحل بمنع عمليات الاستئصال وترك الأهل يعانون وحدهم دون حل، أم أنه آن الأوان لوجود مؤسسة ترعى وتأوي مثل هذه الحالات؟!!.








5118, Amman 11183, Jordan