الجامعة الأمريكية تمنح "ريما خلف" درجة الدكتوراة

Printer Friendly, PDF & Email
image

منحت الجامعة الأمريكية بالقاهرة درجه الدكتوراه الفخرية في العلوم الإنسانية إلى الدكتورة ريما خلف الهنيدي وذلك في احتفال خاص أقيم بالقاهرة الأسبوع الماضي .. والجدير بالذكر ان الدكتورة الهنيدي تتولى حاليا منصب الرئيس التنفيذي لمؤسسه الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم للعلوم الثقافية والتعليمية وتتجه النيه حاليا للتعاقد معها لتكون من بين 12 شخصيه عالميه للعمل مع البنك الدولي وسوف تكون أول شخص عربي يتولى المنصب منذ إنشاء البنك
وألقت الدكتورة ريما خلف الهنيدي كلمة في حفل التخريج قالت فيها :

السيدات والسادة رئيس وأعضاء مجلس الأمناء
الرئيس آرنولد
العمداء وأعضاء هيئة التدريس
الأخوة الخريجون، أولياء الأمور المحترمون، الضيوف الكرام،
أشكر لكم منحي هذه الدكتوراه الفخرية، ويشرفني أن أصبح من ضمن خريجي الجامعة الأمريكية في القاهرة. كما أشكر لكم دعوتي للتحدث إلى خريجيكم هذا اليوم.
أبدأ كلمتي هذه بالتوجه إلى أعزائي الخريجين فأقول:
مبارك لكم تخرجكم.
لعلكم تدركون أهمية أن يتخرج المرء من جامعة مرموقة كالجامعة الأمريكية في القاهرة. إنكم اليوم تمتلكون المهارات التي تؤهلكم لإثبات كفاءتكم في المجالات المهنية التي تخصصتم بها.. لقد أصبحتم، بما تمتلكون من تجارب ثقافية ومهارات لغوية، تجسدون مفهوم المواطنة الإنسانية فباتت الآفاق المتاحة أمامكم تتعدى حدود الوطن الصغير.
لعلكم تدركون أن تخرجكم اليوم يأتي متزامناً مع واحدة من أصعب نوبات الركود التي عصفت بالاقتصاد العالمي في العصر الحديث. لقد أدّت السياسات الخاطئة والأيديولوجيات الجامدة وأساليب الإدارة الفاسدة وغير المسؤولة إلى تحويل ما كان يفترض أن يكون تباطؤاً دورياً اعتيادياً في الاقتصاد العالمي إلى ركود عالمي قاس ومؤلم. ومن المحتمل أن ينعكس ذلك على البعض منكم إذ قد يصعب عليهم الحصول على وظيفة بالمواصفات التي طالما حلموا بها، أو قد يتعذر على بعضهم تحقيق الدخل الذي طالما فكروا فيه، أو ربما تكون الشركة التي خططوا للعمل لديها تستعد لإقفال أبوابها.
أقول لكم: إياكم أن تهن عزيمتكم، فحتى في أحلك الظروف ستجدون فرصاَ تسعى إليكم فاتحة ذراعيها، إذ إن المستوى التعليمي الفائق الذي حصلتم عليه، والتدريب والمهارات التي اكتسبتموها ستحميكم من تداعيات الظروف الصعبة، وستدعم انطلاقتكم في الظروف الأكثر ازدهاراً بإذن الله.
أنتم اليوم مؤهلون تأهيلاً جيداً لرحلتكم الجديدة، فقد اكتسبتم الكثير من المعرفة خلال وجودكم على مقاعد الدراسة. لكن إياكم والاعتقاد بأنكم نهلتم من العلم ما فيه الكفاية، فالعالم معقد للغاية، والحياة تفصح كل يوم عن المزيد من الأسرار. إن ما اكتسبتموه من مهارات ومعارف ليست إلا أدوات أولية لمساعدتكم على الانطلاق في دروب الحياة. أما ما تحتاجون إليه بالفعل فهو القدرة على الاستمرار في التعلّم، والتخلي عما تعلمتم في بعض الأحيان. إن الفهم العميق للمشكلات التي تعترضكم إن على المستوى الشخصي أو المهني، ناهيك عن التحلي بالقدرة على مواجهة تلك المشكلات، لن يتأتى من خلال المذاكرة والالتحاق بالتعليم الرسمي والتواصل مع من يشاطرونكم بعض الاهتمامات في الداخل والخارج فحسب؛ إنه يتطلب أيضاً الإصغاء إلى نبض الناس وتطلعاتهم واكتساب حكمة التفاعل معهم.
عندما يسعى أحدكم في طلب العلم، فإن عليه التحلي بالجرأة على تخطي ما هو في إطار تخصصه. فالمشكلات التي تعاني منها المؤسسات اليوم ليست كلها مشكلات علمية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية بحتة، وإن كانت بلا شك تمثل مزيجاً من كل ذلك. وبالتالي فلن يتأتى حل تلك المشكلات المعقدة بطبيعتها، إلا على أيدي أشخاص يمكنهم العمل مع فريق من النظراء الذين يمتلكون مؤهلات وخبرات ومعارف متنوعة.
زملائي الخريجون،
إنكم اليوم تمتلكون سبل الوصول إلى العالم من حولكم، والاستفادة مما يزخر به من كنوز وآفاق واعدة ومتنوعة. وإذا كان من الطبيعي أن تبذلوا كل جهد مستطاع لاغتنام الفرص المتاحة أمامكم، فإن الآمال معلقة عليكم بأن لا تستسلموا لإغراء التخلي عن ثقافتكم وهويتكم. إن أفضل اللاعبين على المسرح العالمي اليوم هم أولئك الذين يدخلون إلى الساحة مزودين بالمهارات، والضوابط التي تحمي حقوقهم من جهة، وبثقافة سخية تضع ما لديها من تراث إنساني وحضاري في متناول العالم، ولا تساورها الخشية مطلقاً من الانفتاح الواثق على الثقافات الأخرى. إن لديكم تراثاً نابضاً بالحياة، فتمسكوا به، وتعلموا منه، وأضيفوا إليه، ولكن التمسك بالإرث الحضاري لا يعني أن يكون المرء حبيساً للماضي.
إن بعض السياسات الراهنة قد باعدت بيننا وبين هويتنا العربية الأصيلة وأدت إلى تقزيم الانتماء لدى الكثيرين منا إلى ولاءات أصغر شأناً ذات طبيعة مذهبية أو طائفية. إن التعصّب العرقي والمذهبي هو طريق مقيت يهدد بتفتيت بعض من مجتمعاتنا العربية. ولعله ما من شيء يهدد بتقويض مستقبلنا ومستقبل أوطاننا أكثر مما تفعل نزعات الإقصاء والتناحر. كما أنه ما من شيء يجعلنا نبدو ضعفاء أمام العالم أكثر من التشظي والانتماء إلى هويات ضيقة ومهزوزة.
الزملاء الأعزاء،
فلنعمل على التمسك بهويتنا العربية، ولكن ليس بوصفها حاجزاً يحول بيننا وبين العالم، وإنما باعتبارها إطاراً للتواصل والتفاهم مع الآخر. ولنجعل من تمسكنا بهويتنا سبيلاً لدرء الفتنة ومنع الانقسام. لنتمسك بهويتنا من أجل أن نضمن لأنفسنا فرصاً متساوية مع الأمم الأخرى في هذا العالم الذي لا يحترم أو يكافئ الكيانات الصغيرة والمهمشة.
ولئن كانت منظومة الحكم التي تسيّر شؤون العالم تؤثر فينا جميعاً، فما من شك في أن تمسككم بهويتكم العربية هو السبيل لأن تضمنوا لأنفسكم كلمة مسموعة ومكاناً مرموقاً بين الأمم.
الخريجون الاعزاء،
سواء تعلّق الأمر بالأعمال أو السياسة أو المجالات الأكاديمية، تبقى القدرة على التواصل بلغات أجنبية مفتاحاً يشرع أمامكم أبواباً واسعة وآفاقاً رحبة. لكن ثمة آفاقاً أكثر رحابة لا يمكن فتحها من دون القدرة على امتلاك ناصية لغتكم الأم، اللغة العربية، حاضنة هويتنا وثقافتنا. ولعلكم تتفقون معي أنها لغة جميلة ومعبرة.
بيد أن حاجتنا إلى العربية لا تتوقف عند الاستمتاع برونقها وعذوبتها ، إذ بدون الاستخدام الفعلي للغة الأم، ستكون قدرة المرء على التواصل مع مجتمعه محدودة. إن العربي من دون اللغة العربية أشبه بطائر مقصوص الجناح؛ ربما ينجح في إدارة أعماله على نحو متميز، هذا صحيح، ولكنه، من دون لغته الأم، سيفشل حتماً في امتلاك أي فرصة لأن يتبوأ مركز القيادة في مجتمعه.
أيها الخريجون الأعزاء،
إن ما أنجزتموه على الصعيد الأكاديمي سيمهّد أمامكم الطريق لتحقيق الكثير مما حلمتم بتحقيقه. ولكنه يرتب عليكم أيضاً التزاما بخدمة مجتمعاتكم. وهنا، أتمنى عليكم ألا تجعلوا من التباين في القدرات بين الناس مسوّغاً لقبول الظلم والتعسّف. إياكم أن تصمّوا آذانكم عن معاناة الآخرين، لا لأسباب إنسانية فقط، وإنما لأسباب وطنية أيضاً، ولعل هذا الجانب لا يقلّ أهمية.
قد لا يكون التلاحم الاجتماعي المحرك الرئيس للنمو والازدهار، لكنه بلا شك يمثل الدرع الذي يحمي مسيرة النمو والازدهار. كما أن السلم الأهلي والتضامن المجتمعي يصبحان في مهبّ الريح عندما تكون فئات من المجتمع عرضة للتهميش وتنعدم أمامها الفرص التي من المفترض أن تكون حقا أصيلا لها.
أعزائي الخريجون،
لقد اطلعت على حملاتكم التضامنية مع أبناء غزة إثر الأحداث الأخيرة. ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أشد على أياديكم، وأثني على ما تتمتعون به من روح المبادرة وحسن التقدير وحسّ المسؤولية، إذ كنتم العون والسند للأطفال الجرحى والأمهات الثكالى. إن هذه الصفات التي تتحلون بها هي الصفات الحقيقية لقادة المستقبل.
وفي هذه الأيام نجد من يحاولون على نحو متعمّد أن يختزلوا قضية الشعب الفلسطيني إلى مجرد أزمة إنسانية. ولئن كان الجانب الإنساني جزءاً لا يمكن التغاضي عنه من المسألة، فإن القضية أكبر من ذلك بكل تأكيد، إنها مسألة حقوق وواجبات ومسؤوليات. فحقوق الفلسطينيين في الحرية والتخلص من الاحتلال والتمييز والتعدّي المتواصل على حياتهم واضحة لا لبس فيها. كما أن حقهم في مقاومة الاحتلال الأجنبي هو أمر تكفله الشرائع الدولية التي تنص على حق أي شعب واقع تحت الاحتلال في الكفاح لنيل استقلاله وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة على تراب وطنه.

من ناحية أخرى ثمة ضرورة ماسة لعدم السماح لإسرائيل بأن تضرب بالقانون الدولي عرض الحائط عبر احتلالها لأراضي الغير والسيطرة على مقدراتهم، وعبر انتهاك مواثيق جنيف كما تفعل على الدوام. كما أن حماية القانون الدولي، وضمان احترمه من قبل الجميع، وتحميل المعتدي عواقب انتهاكاته لهذا القانون هو في صميم مسؤولية العالم العربي والمجتمع الدولي.
ومن نافل القول إن قتامة اللحظة الراهنة لن تمنعنا من الاستمرار في السعي للوصول إلى السلام. غير أن السلام المنشود، لكي يكون دائماً وقابلاً للحياة، لا بد أن يكون عادلاً ومنصفاً، ولا بد أن يستند إلى الحقوق والشرعية الدولية، وليس إلى الوقائع التي فرضها الطرف القوي على الأرض. إنني على ثقة بأن السلام سيحل في نهاية المطاف. وآمل أن يتم ذلك قبل أن يستمر النزف في الأرواح والدماء لفترة أطول من اللازم.

الخريجون الأعزاء،
إنني أتذكر أنه بعدما أقدمت إسرائيل على إعادة احتلال المدن الفلسطينية في عام 2002، أعلن موشي يعلون، الذي كان يومئذ رئيساً للأركان في إسرائيل أن الهدف من العملية العسكرية هو "ترسيخ القناعة في وجدان الفلسطينيين بأنهم شعب مهزوم". لم تكن هزيمة الروح بالنسبة إلى ذلك الرجل أقل أهمية، إن لم تكن أهم، من اغتصاب الأرض ذاتها.

رسالتي الأخيرة إليكم هذا اليوم؛ إياكم أن تسمحوا للهزيمة بأن تتسلل إلى نفوسكم. إن الهزيمة إذ تتسلل إلى الوعي، فإنها تدفع المرء لليأس والتنازل عن الحقوق والتخلي عن القيم. لا تجعلوا لليأس مكاناً في نفوسكم، اعملوا بكل كد واجتهاد لتحقيق أحلامكم، وستتحقق بإذن الله. دافعوا بعناد عن حقوقكم التي من دونها تفقد الحياة وهجها وتخسر جانباً من جوهرها ومعناها. وتشبثوا بحقوقكم المشروعة واحرسوها من أولئك الذين يسعون لاغتصابها سواء كانوا في الداخل أو في الخارج. وعندما تنعمون بحقوقكم المصانة، لا تنسوا أبداً أن تمدّوا يد العون إلى الآخرين ممن يكافحون للتحرر من وطأة الجوع والخوف والتهميش.
ولئن تتراءى في البال قيم ومبادئ كثيرة يتعين الدفاع عنها والتشبث بها كقيم العدالة والمساواة والإخلاص في العمل، فإن القيم التي أرى من الضرورة بمكان التشديد عليها في هذا المقام هي قيم التسامح والاحترام والانفتاح على الآخر. كونوا منفتحين تجاه العالم من حولكم. ليس ثمة من صراع وجودي بيننا وبين الشرق أو الغرب. لذا، علينا أن نقيّم الآخرين بناء على مواقفهم، وليس بناء على ماهيتهم. إننا، بالتعاون معهم، وليس رغماً عنهم، نستطيع أن نجعل من هذا المكان مكاناً أفضل لنا ولأبنائنا جميعاً.
لنحترم التعددية في أوطاننا، ولنحتفِ بهذه التعددية بوصفها نعمة لا نقمة. إن تعاملك مع زميلك المسيحي أو المسلم أو اليهودي سيؤدي إلى إثراء حياتك، لا الانتقاص منها. إن جارك الكردي أو العربي أو البربري هو سند لك، وليس نقطة ضعفك. إننا معاً، كأمة موحدة تضم مواطنين متساوين في القانون وأمامه، نستطيع أن نبني الحياة التي نصبو إليها، وأن نستعيد مكانتنا اللائقة لنغدو منارة تشعّ بين الأمم.
أكرر تهنئتي لكم بالتخرج، وأتمنى لكم مستقبلاً باهراً وحياة هانئة."