رحلة...

Printer Friendly, PDF & Email
image

كانت في المطبخ ترعى بعض شؤونه صباح يوم جمعة حين باغتها صوت زوجها عالياً من زاوية أخرى في المنزل معلناً عن نيته في اصطحاب العائلة إلى رحلة خلوية، فخرجت مسرعة لتنضم إلى الأطفال الذين كانوا قد بدؤوا يتقافزون حوله في هرج ومرج لتسأله بصوت حاولت جهدها أن يكون عاليا ليطغى على ضجيج الأولاد: أحقا ما تقول . . رحلة . . اليوم؟ أجابها بعد أن صاح في الأطفال لتهدئتهم: نعم، فمنذ وقت طويل وأنا اشتهي أكل لحمة مشوية على الفحم في الخلاء، لهذا أنا خارج الآن لشراء الحاجيات كلها، واعملي أنت على تجهيز لوازم الرحلة وحضري نفسك والأولاد ريثما أعود.

وخرج مسرعاً دون أن يتيح لها أن تسأل عمّا كانت تود الاستفهام عنه، لماذا اليوم بالذات، لماذا لم يبلغها مسبقاً ؟ لماذا التفرّد في اتخاذ القرار ؟ توجهت إلى المطبخ ثانية وهي ما زالت تحاول استيعاب الفكرة، وبدأت بالتحضير وهي تشجب مزاجية زوجها حينا، وتنتحل له الأعذار حينا آخر. قالت لنفسها: من حق الأولاد الاستمتاع بالربيع عن قرب . . هذه فرصة لم تتح لهم منذ زمن، والربيع يمر سريعاً في العادة ومن الأجدى استغلال أيامه القليلة قبل هجوم الحر، هذا ما كانت تحدث به نفسها وهي تجمع ما يمكن أن يلزمهم خلال الرحلة؛ المنقل، الفحم، الأسياخ، عدة السلطة، عدة الشاي، أكواب، محارم ورقية . . وأخرى مبللة، فوط للصغير . . .

فجأة، جاءها صوت ابنها الكبير من غرفته: أين حذائي الرياضي القديم؟ فأجابت وهي ما زالت منهمكة بعملها: على السدّة يا حبيبي، البس الآخر! فصاح مرة أخرى: لكن الآخر للمدرسة، وأنا أريد القديم للرحلة! خطر لها أن تطلب منه الصعود إلى السدة لتناوله، لكنها خافت عليه وخافت من احتمالية بعثرته الأشياء التي هناك كعادته، فاتجهت بنفسها إلى موقع السدة وأحضرت الحذاء وعادت إلى المطبخ.

سمعت بكاء الصغيرة، فصاحت: ماذا الآن، خيراً إن شاء الله جاءتها الصغيرة وهي تمسح دموعها لتقول: أريد بلوزتي الزرقاء التي عليها فراشات! أجابتها قائلة: في الغسيل يا روحي، البسي الأخرى فهي زرقاء أيضا وجميلة جدا.

ردّت الصغيرة وهي تدق بقدمها على الأرض: ولكن أريد تلك التي عليها فراشات . . يا ربي ماذا أفعل! وهنا تركت ما بيدها وأخذت الصغيرة بين ذراعيها لتقول: إذا ذهبت ببلوزة عليها فراشات، ستغضب فراشات الربيع التي قد توجد في المكان الذي سنذهب إليه، ولن تقترب منك طوال اليوم، لذلك فالأفضل ارتداء الأخرى! توقفت الطفلة عن البكاء إذْ بدا أنها اقتنعت وركضت نحو غرفتها في حين تنهدت هي بعمق وعادت إلى ترتيب أغراض الرحلة . .

مضت دقائق فجاءها صوت الصغير الذي صحا من نومه باكيا مطالبا بوجبته الصباحية وبالغيار السريع! هرعت إليه وأنجزت مطالبه وأشرفت على تلبيس الاثنين الآخرين ثم مضت إلى غرفتها سريعاً لتستعد هي أخيراً، لم تمض إلا ثوان قليلة حتى فاجأها زوجها (بزامور) من سيارته يستعجلهم الانطلاق. هنا ارتدت أول ما وصلت إليه يداها وهمت أن تسرح شعرها، فعاد (الزامور) ليناديهم بشكل أكثر إلحاحا هذه المرة. خرجت سريعا وطلبت من الأولاد مساعدتها في حمل الأغراض إلى السيارة، فهرع الاثنان وتعالى صياحهم لاختلافهم حول حمل الأشياء . . وفيما هي تحاول تسوية الأمر، جاءها (الزامور) مرة ثالثة وبشكل غاضب هذه المرة! فحملت ما استطاعت حمله بالإضافة إلى طفلها الصغير وطلبت من الكبير تناول ما تبقى وخرج الجميع.

لم تمض دقائق من انطلاقهم بالسيارة حتى شب خلاف جديد بين الصغار . . وتبعه آخر . . فقضت الوقت في فض الاشتباكات التي ظلت تنشب في المقعد الخلفي، وفي تهدئة خاطر الزوج الذي كان يصيح بين الحين والآخر قائلا: اسكتوا . . بدي أعرف أسوق . . أقسم بالله إني برجع وعمره ما حدا راح رحلات! وصلوا أخيراً إلى مكان مناسب، فتوقفوا وبدؤوا بالتحضير للغداء. أشعل زوجها النار في المنقل، أما هي فبدأت في (شك) قطع اللحم في الأسياخ، ثم عملت السلطة التي لم يستسغها الزوج كثيرا لأنها نسيت إحضار النعنع الناشف الذي يفضله هو مع السلطة في العادة . . ! تركتهم يأكلون وقامت لتحضير وجبة للرضيع، ثم جهزت الشاي بعد أن جمعت بقايا الوجبة وأدوات الطعام، كما جمعت كل ما كان قد تناثر حولهم من مناديل ورقية وعلب مرطبات وقشور البرتقال وأعقاب سجائر الزوج العزيز . . وضعتها كلها داخل كيس للنفايات وحملته بنفسها إلى صندوق السيارة.

هنا، خطر لها أن تجلس أخيرا لتناول كوب من الشاي . . دقائق . . ووجدت زوجها الذي أفاق من غفوته بعد الطعام، وجدته ينادي الأولاد للانطلاق، فالجو بدأ يميل للبرودة، حسب رأيه، بعد استيقاظه من النوم . . لم تتردد، بل قامت فوراً مقنعة نفسها أنهم بحاجة للوصول إلى البيت باكراً على أية حال، فثمة واجبات أخرى عديدة بانتظارها في البيت.

عادوا أخيرا، فشغلت بالإشراف على حمام الصغار وتحضير ثيابهم المدرسية ثم فض أغراض الرحلة وتنظيفها وتوضيبها من جديد..

نام الطفلان وبقي الصغير، الذي قضت معه وقتاً طويلاً حتى نام أخيرا، فتوجهت إلى حيث يجلس زوجها الذي كان يتابع أحد البرامج التلفزيونية بشغف شديد، وفيما كانت تهم بالجلوس، قال دون أن يرفع عينيه عن الشاشة: فنجان قهوة لو سمحت!

فقامت بتثاقل لتفاجأ به يصيح قائلا: يا ستي خلص، ما بدنا قهوة . . ليش مكشرة؟ أنا أعمل المستحيل لإسعادكم، من الصبح رحلات وشمة هوا، وفي الليل ما في ولا حتى ابتسامة . . يلعن أبو هالعيشة!

همت أن تقول شيئا . . ليأتيها صوت الصغير الذي أفاق من نومه على صوت أبيه، فتوجهت إليه لتحمله وتسرع نحو المطبخ وهي تقاوم رغبة عارمة في إطلاق صرخة مدوية!