يوم الأيام...

Printer Friendly, PDF & Email

لعلني لا أبالغ إن بادرت لمنح الواحد والعشرين من آذار (مارس) لقب (يوم الأيام). فهو يوم الأم، والمجال السنوي الرمزي للاحتفال بها والاحتفاء بسجاياها وعطاياها، والتبرك ولو قليل من رائحتها العطرة، وطلتها البهية، والاقتراب ولو بقدر من عظمتها. الأم ممسكة مجد الحياة، رافعة قدر الجنة القابعة بإجلال نهائي أكيد تحت أقدامها.

وهو يوم الكرامة وميدان النصر العظيم، في السهل الساكن قلب الوادي الأخضر، عندما أصبح التلاحم امتزاج دم يعربي أردني فلسطيني فوق الشعارات جميعها، وأصدق من أي مصالح آنية أو استراتيجية. وعندما تحول التلاحم إلى ظهر محمي بالوحدة والاستعداد للموت والشهادة من أجل هدف مشترك: لن نولي هاربين، وسنلقنهم هذه المرة درساً لن ينسوه. وعندما كانت عناوين الوحدة: خذ رصاصاتي حين تنفد رصاصاتك.

وعندما قبّل الفدائي سيف جبين الجندي الأول عواد، مهدهداً روحه النقية قبيل لحظات من صعودها الناصع باليقين.

وهو يوم يتساوى فيه الليل مع النهار، ويعلن باسمه انطلاق فصل الربيع، حيث الزهو مشاكسة طافحة بالحب لزهرة برية ساكنة تلة مشعة بالبهاء حول السلط وإربد والكرك ومادبا وعجلون وجرش والطفيلة ومعان والشوبك ووادي رم والعقبة والبتراء ووادي موسى وعلى الطريق باتجاه البحر الميت، وحول العدسية ومرج الحمام وناعور وعين غزال والرمثا وبني كنانة وسهل حوران والأغوار الشمالية والمشارع ووقاص وخزمة والقليعات وطبقة فحل والبلاونة والعارضة والصبيحي واشتفينا وزي وعلان وعيرا ويرقا وماحص والفحيص وعنجرة وشطنا وسمر وأم قيس وساكب والحمّة وكل واحة باقية في الشرق الأقرب للصحراء في الزرقاء والمفرق وأم الجمال والأزرق ووادي الفنار والجفر وحتى آخر ذرة من تراب الوطن في أقاصيه البعيدة وقراه وبواديه النائية.

وهو يوم النيروز عند الإيرانيين والأكراد وثقافات عديدة محيطة بنا وقريبة من ثقافتنا ومتقاطعة معها في المناخ والجغرافيا والقيم والعادات وبعض الرسل والأنبياء والقادة الملهمين.

وحيث سوسنة سوداء تلمع أياماً معدودات فتسحر الناظرين، وما أن تلوذ بعدها بوقار طلتها المستحيلة، لتصير حلماً وزهرة وطنية ملوكية عالية الشموخ وغير مسبوقة الجمال.

وهو عيد شمّ النسيم في الشقيقة مصر، حيث السفر بالفرح عادة مصرية رائعة البهاء، وحيث يدور راقصو التنورة بأزيائهم الشعبية المزركشة بالبهاء والبهجة وما يحبه الصغار وينتظرونه من السنة إلى التي تليها.

يدورون حول أنفسهم جاعلين من أرواحهم المحلقة في أثير الكون ومفردات الجمال، ومن أجسادهم الخفيفة الرشيقة المستجيبة لمشيئة الرغبة الأيقونة فائقة المعنى، مركزاً لفعل تصوّفٍ لا يفصل بين الروح وحاملها الجسد المنذور للهلاك.

تُوقد أمي شمعة المساء، نلتف حول يقينها الذي لم تزده الأيام والأشهر والأعوام والعقود إلا منعة وتماسكاً ضد العصر المشهر في وجه ناسه صور الضياع المروّع.

تُلقي تحية الوفاء الممتد عشرات السنين لزوجها الوالد المحب القوي المكابر، تمنحنا الهدايا كعادتها سبّاقة في كل شيء.

أغفو في حُضنها، وهي تربت صدري القلق علَّني أنام قليلاً مثل ريما في أغنية فيروز، ومثل الصغيرة التي تنتظر الأم نومها لعل غيمة الحزن السرمدي تنزاح ولو سويعات، هدأة للروح أنتظر أن تجيئ أخيراً.