مكتب شكاوى المرأة

قاصرةنسمع العديد من القصص حول زواج فتيات قاصرات تبدل دورهن من الاهتمام بألعابهن وبأحلام الطفولة الى بيت وزوج وطفل يطالبها بدورها الامومي وهي ما زالت تحتاج حاجته ذاتها بل ربما اكثر.

وبالرغم من كثرة النصوص الرسمية الواردة تحت مسمى حقوق الانسان، بالاضافة الى حقوق الطفل والمواثيق العديدة التي يصادق عليها الاردن، الا ان فشل التعديلات على قانون الاحوال الشخصية في حماية الفتيات القاصرات من الزواج المبكر ما زال مناقضا لتلك المواثيق.

الاحصاءات الرسمية تظهر ان بين 8 آلاف و 10 آلاف فتاة قاصر تتزوج سنويًا في الاردن؛ اي نحو 13 في المئة من إجمالي عقود الزواج التي تبرم في المملكة.

وفي السياق ذاته جاءت خطوة رفع الاردن لسن المساءلة القانونية لقانون الاحداث من سن السابعة الى سن الثانية عشرة كاحدى الخطوات الايجابية والمبشرة بإلحاقها بتعديلات اخرى تنصف الفتيات القاصرات وتحافظ على حقوقهن، ولكن وللاسف ما زال المجتمع حتى الان ينتظر اجراء تلك التعديلات وتضييق تلك الاستثناءات الفضفاضة في القانون.

ناشطون حقوقيون تحدثوا لـ"العرب اليوم" وبينوا تخوفهم من ظاهرة زواج القاصرات خاصة في السنوات الاخيرة التي رافقها لجوء عدد كبير من السوريين الى الان، التي تكللت باعداد كبيرة من حالات زواج القاصرات التي اثارت بلبلة في المجتمع الاردني لفشل قانون الاحوال الشخصية في حمايتهن.

وبخصوص هذا الموضوع تحديدا تحدثت وسائل الاعلام لفترة عن اخبار حول زواج المتعة لطفلات سوريات لاجئات في الاردن من أثرياء عرب لمدة معينة مقابل مبلغ من المال”، ما اثار استياء الناشطين وطالبوا اكثر من مرة من اجراء تعديلات على قانون الاحوال الشخصية لمنع هذه الممارسات داخل المجتمع الاردني ولحماية هؤلاء الفتيات.

حقوق الطفل

استاذ القانون الدستوري في جامعة البتراء والناشط في حقوق الانسان الدكتور علي الدباس قال ان اتفاقية حقوق الطفل حددت سن الطفولة بـ18 عاما على الاقل، وبالتالي فإن ناشطي حقوق الانسان ينظرون للامر على هذا الاساس، وان من لم يكمل الـ 18 عاما فهو طفل، وبالتالي فان اي تصرف قانوني يجب ان لا يبرمه من هو اقل من ذلك حتى يستطيع اتخاذ قراره بنفسه.

وطالب الدباس في حديثه لـ"العرب اليوم" بان ينظر في كافة القضايا بما فيها الزواج، وان لا يتم اجراء اي تصرف قبل ان يتم الطفل عمر 18 عاما، مشيرا الى ان الاردن وقبل قانون الاحوال الشخصية الحالي كان يزوج الفتيات عند سن الـ15 سنة، ونتيجة الضغوطات التي مارستها مؤسسات المجتمع المدني والناشطين بحقوق الانسان تمت المحاولة وفي قانون الاحوال الشخصية لعام 2010 بان يتم رفع السن الى 18 عاما، فاستجاب المشرع جزئيا لهذا المطلب، واجاز تزويج الفتيات اللواتي بلغن 15 سنة ضمن شروط اعتبرها المشرع بانها قاسية، ولكن تبين لاحقا بانها سهلة وتتمثل بموافقة قاضي القضاة على تزويج هؤلاء الفتيات.

التطبيق العملي حسب الدباس اظهر بانه قد اصبح من السهولة ولأي من كان ان يزوج فتاة لم تكمل 18 عاما من خلال تقديم حجج يوافق عليها قاضي القضاة.

الحل الامثل لهذه القضية كما اشار الدباس تتمثل بتعديل قانون الاحوال الشخصية بعدم تزويج الفتاة ما لم تبلغ الـ 18 عاما من عمرها، وان يتم إلغاء الاستثناءات لانه وحسب الواقع العملي فان هذه الاستثناءات فتحت المجال للتوسع في الظاهرة.

وطبقًا لتعليمات دائرة قاضي القضاة التي نشرت في الجريدة الرسمية فقط في عام 2010، من أجل الموافقة على زواج من هم دون الثامنة عشرة، على القاضي أن:

1- يتحقق من الرضا والموافقة التامين (للزوجين).

2- يتحقق من صحة «الضرورة» التي تقتضيه المصلحة من الزواج، سواء كانت «اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية» ما يؤدي إلى «تحقيق منفعة أو درء مفسدة».

3- يجب أن تراعي المحكمة ما أمكن وفق مقتضى الحال وجود مصلحة ظاهرة في الإذن بالزواج مثل التأكد من أن فارق العمر بين الخاطبين مناسبًا، وألاّ يكون الزواج مكررًا، وألاّ يكون الزواج سببًا في الانقطاع عن التعليم المدرسي. تلك الاستثناءات وبالرغم من ان المشرع اعتبرها قاسية الا انها "فضفاضة" ولا يتم التحقق منها بشكل تام، وذلك وفقا لحالات تم تزويجهم بناء على تلك الاستثناءات.

تجربة

آية طفلة عمرها 17 عاما بحسب تعريف الطفولة في مواثيق حقوق الطفل، تحدثت عن قصتها في الزواج المبكر، وذلك عندما كان عمرها 15 عاما، وتم تزويجها لاستثناء وجده قاضي القضاة مقنعا وهو كثرة عدد اخواتها اللاتي يبلغن سبع اخوات، ولم يكن والدهن قادرا على تحمل تكاليف حياتهن.

اشارت آية في حديثها لـ"العرب اليوم" بانها كانت من اوائل صفها في تحصيلها العلمي، وكانت تطمح بان تصبح محامية عندما تكبر، وكانت لعبتها المفضلة مع صديقاتها ان تمثل عليهن دور المحامية التي ترافع عن قضايا المظلومات وتنصفهن بالنهاية، اضافت آية بانها لم تترك الدراسة في بداية زواجها ولكن وبعد ان حملت بطفلها الاول تركت المدرسة مضطرة وبقيت في البيت بانتظار طفلها. أكملت آية، بانها لم تكن سعيدة للحظة منذ زواجها من رجل يكبرها بخمسة عشر عاما، وتشعر بانها تمارس دورها كزوجة وام بناء على تعليمات كانت والدتها قد لقنتها اياها قبل ان تجد نفسها في دور ومسؤولية لم تعِها ابدا حتى عندما وجدت نفسها امًّا لطفلٍ لم تعرف كيف تكون "امًّا" معه.

قالت اية إنها تتمنى وبشكل يومي ان تجد نفسها في حلم وتستيقظ منه وتعود لمقاعد الدراسة بين صديقاتها، وتكمل تعليمها وتصبح محامية تدافع عن حقوق الناس وتنصفهم بالقانون الذي لم ينصفها وحرمها من حقها في التعليم والطفولة والحياة.

من جانب اخر ذكر تقرير المسح الصحي الديموغرافي للعام 2012 أن 12.5 في المئة من الفتيات المتزوجات بين سن الخامسة عشرة والتاسعة عشرة ذكرن أنهن تعرضن لعنف جسدي من أزواجهن، بينما تعرضت 7.9 في المئة منهن إلى عنف جنسي خلال الحمل، وترى 84.1 في المئة منهن أن «من المقبول أن يقوم الزوج بصفع زوجته أو ضربها إذا كان لديه سبب جيد لذلك».

في الاطار ذاته اكدت المحامية والناشطة في حقوق الانسان بثينة فريحات بان زواج القاصرات ظاهرة موجودة في الاردن وتختلف نسبتها من عام لاخر، وفي العام الماضي وصلت نسبتها الى 14 % تقريبا، وهذه النسبة تزداد بشكل سنوي خاصة لوجود اعداد كبيرة من اللاجئات السوريات في الاردن الذي نتج عنه حالات عديدة من زواج القاصرات ما ساعد على ارتفاع نسبة زواج القاصرات. زواج القاصرات حسب فريحات يناقض اتفاقية حقوق الطفل من ناحية حق الطفل في التعليم، فغالبية الفتيات القاصرات المتزوجات تفرض عليهن المسؤوليات بترك الدراسة ما يناقض حقهن بالتعليم، بالاضافة الى حرمانهن من حقهن في اللعب والحياة، لهذه الاسباب تحديدا رفضت مواثيق حقوق الطفل زواج القاصرات لما يترتب عليه من حرمان للعديد من الحقوق.

الجوانب الصحية

حق آخر يتم انتهاكه بزواج القاصرات تحدثت عنه فريحات وهو انتهاك حق الفتيات في الصحة، فالفتاة القاصر ما زال جسمها طور النمو، ولا تملك القدرة على المعاشرة الزوجية والانجاب والحمل، ولها اضرار صحية على الام والجنين، ما ينتج عنه اطفالا ذوا اوزان خفيفة عند الولادة، وذلك ما اكدت عليه اتفاقية حقوق الطفل بانه يجب على الدولة اتخاذ التدابير اللازمة للحد من الاوزان الخفيفة للطفل، فعلى الدولة اتخاذ هذه التدابير من الحد من الزواج المبكر.

مع انه وحسب القانون يعد الزواج من طفلة دون الثامنة عشرة استثناء الا انه وحسب فريحات اصبح من الاصل وذلك بسبب الجهل المحلي ونقص الوعي لدى القضاة على الرغم من وجود تعليمات تحدد طريقة تقديم طلب زواج مبكر، ومع ذلك ما زالت مسألة الاستثناءات تتم الموافقة عليها بالعديد من الحالات دون التحقق منها.

الزواج المبكر كما اشارت فريحات يؤثر بشكل اساسي في الدولة ايضا، وذلك من اساس بان الدولة عندما وافقت على الزواج المبكر فقد قلت تلقائيا نسبة التعليم، وعندما تقل نسبة التعليم ستتم مقارنة الدولة بدول اخرى فيزداد الجهل بالدولة وتتراجع نسبة مشاركة المرأة الاقتصادية في الاردن التي هي بالاصل متدنية جدا.

اضافت فريحات بان الزواج المبكر يؤثر من الناحية الصحية فعندما تنجب الفتاة القاصر اطفالا مريضين او خفيفي الوزن فالدولة ملزمة بمعالجة الاطفال من توفير الاطباء والادوية والمواد الغذائية، وهذا يؤثر في اقتصاد البلد، فالزواج المبكر لا يؤثر فقط في الفتاة نفسها وانما يؤثر في الفتاة واسرتها ومجتمعها والدولة ككل.

وكانت منظمات نسوية قد وجدن فرصة في اليوم الدولي للطفلة العام الماضي الذي يصادف 11 تشرين الأول، وذلك للاعتراف بحقوق الفتيات وبالتحديات الفريدة التي تواجهها الفتيات في جميع أنحاء العالم، فرصة لتجديد مطالبها بعدم تزويج من هن دون الثامنة عشرة، وإلغاء استثناء ورد في قانون الأحوال الشخصية يسمح بذلك.

لجان المرأة

اللجنة الوطنية لشؤون المرأة، ومعهد تضامن النساء واتحاد المرأة بينوا في تقارير ووثائق صادرة عنهم، ان قانون الاحوال الشخصية رفع سن الزواج للذكر والأنثى إلى ثماني عشرة سنة شمسية، حسب نص المادة 10 من القانون، مع الإبقاء على إمكانية الاستثناء بما يسمح للقاضي بتزويج من أتم الخامسة عشرة من عمره، إذا كان في هذا الزواج مصلحة له، وتحدد المصلحة ضمن أسس تصدر بمقتضى تعليمات عن دائرة قاضي القضاة.

لكن تقارير تؤكد، عدم التزام القضاة الشرعيين بهذا النص، حيث عادة ما يزوجون اي حالة، دون التحقق من ان الزواج فيه مصلحة، والدليل أن الأرقام الصادرة عن دائرة قاضي القضاة لا تشير إلى انخفاض في حالات زواج القاصرات منذ تعديل القانون.

وتطالب المنظمات النسوية بإلغاء الاستثناء والاكتفاء برفع سن الزواج إلى 18 سنة شمسية، لتؤكد "تضامن” في وثيقة صدرت عنها انه "من الممكن رفع السن في حالة الاستثناء إلى تمام سن السادسة عشرة لكل من الذكر والأنثى كاجراء مؤقت”.

ومن القرارات المؤقتة التي يمكن اتخاذها، بحسب "تضامن”، إحاطة قرار الاستثناء بالضوابط والقيود التي تكفل التحقق من الرضا والمصلحة، والتي تكفل مستقبل الصغيرة بشكل خاص.

وأكدت أهمية التشدد في إجراءات منح الإذن، بحيث يصدر عن هيئة مؤلفة من ثلاثة قضاة، وليس عن قاض فرد، وبحيث يصادق قاضي القضاة على قرار الهيئة، والنص على إجراءات تضمن التحقق من ركن الرضا ومن مصلحة الصغير أو الصغيرة في هذا الزواج، وكذلك رضا وموافقة والديها.

وترى ضرورة ضمان إدراج شروط خاصة في عقد الزواج تكفل حقوق الصغير أو الصغيرة، وخاصة في مجال التعليم والاحتفاظ للزوجة بحق العصمة "حق تطليق نفسها بنفسها".